شرح الكتاب المقدس

المزامير 62

هذا الفصل متاح بفضل JL Group

النص

ستّ مرّات تتكرّر كلمة واحدة في هذا المزمور: "إنّما". إنّما لله انتظرت نفسي، إنّما هو صخرتي، إنّما يتآمرون، إنّما باطل بنو آدم. يبدأ داود بإعلان هدوء غريب في وسط هجوم: الله وحده خلاصي وملجإي. ثم يلتفت إلى مهاجميه الذين يبدو أنّه صار في أعينهم حائطًا مائلًا يكفيه دفعة واحدة ليسقط، أناس يباركون بأفواههم ويلعنون بقلوبهم. ثم يعود فيكلّم نفسه، لا الله ولا أعداءه: "إنّما لله انتظري يا نفسي". وينتهي بدعوة للجماعة كلّها: اسكبوا قدّامه قلوبكم، لا تضعوا قلبًا على الغنى، فالعزّة لله والرحمة له، وهو يجازي الإنسان كعمله.

الجوهر

كلمة "إنّما" في العبريّة (أَخْ) هي أداة حصر وتقييد: فقط، لا غير، ليس سواه. وداود يستعملها مرّتين لله ومرّتين للأعداء ومرّتين للإنسان عمومًا. أي أنّه يزن العالم كلّه بميزان واحد: ما الذي يحمل فعلًا؟ والجواب قاسٍ في بساطته: الله يحمل، والباقي لا. ليست هذه مبالغة شعريّة ولا احتقارًا للبشر؛ إنّها قياس. "في الموازين هم إلى فوق" أي أنّ كفّتهم ترتفع لأنّها فارغة، لا ثقل لها. هذا هو قلب المزمور: أن تعرف الفرق بين الصخرة وبين ما يشبه الصخرة. والفرق لا يُعرف في الطمأنينة، بل حين يُدفع بك فتكتشف على ماذا كنت متّكئًا.

الخيط الجامع

الحائط المنقضّ والجدار الواقع صورة عن إنسان صار الجميع يرونه ساقطًا لا محالة، فيستعجلون نهايته. وهذه الصورة تجد ذروتها في واحد وقف وحده، باركوه بأفواههم ("السلام يا سيّدي") ولعنوه بقلوبهم، وتآمروا ليدفعوه عن شرفه. المسيح هو الذي أخذ هذا المزمور إلى أعمق نقطة ممكنة: سلّم نفسه لله وحده، ولم يتّكل على ظلم ولا على خطف، ولم يضع قلبه على شيء مّما عُرض عليه في البرّيّة. والختام "تجازي الإنسان كعمله" الذي يبدو كأنّه يهدم كلّ رجاء، يصير محتملًا فقط لأنّ العزّة والرحمة اجتمعتا عند الصليب: هناك ظهرت القوّة في الضعف، والرحمة بلا تهاون في العدل.

المرآة

على ماذا تتّكئ فعلًا؟ لا ما تقوله في الصلاة، بل ما يفعله جسدك حين يأتي الخبر السيّئ. حين تهتزّ وظيفتك، إلى أيّ رصيد تنظر أوّلًا؟ حين يتكلّم أحدهم عنك في غيابك، كم ساعة تقضي في بناء دفاعك في رأسك؟ وحين "زاد الغنى"، هل انتبهت أنّ قلبك انتقل إليه بهدوء، بلا قرار واعٍ، كمن ينام ويتدحرج نحو طرف السرير؟ الآية العاشرة لا تمنع الغنى، تمنع وضع القلب عليه. وأقسى ما في المزمور أنّ داود لا يوبّخ أعداءه أوّلًا، بل يوبّخ نفسه: "إنّما لله انتظري يا نفسي". لأنّ نفسه كانت تميل إلى الانتظار من جهة أخرى، من جهة تبرئة، أو انتقام، أو تأييد من أحد.

ولاحظ أنّه لا يطلب أن تُزال المعركة. يقول "لا أتزعزع كثيرًا" في الآية الثانية، ثم "فلا أتزعزع" في السادسة. الهدوء نما أثناء الكلام، لا قبله.

اليوم، خذ عشر دقائق واجلس وحدك، واكتب على ورقة الشيء الذي لو زال لانهرت: الاسم، أو المبلغ، أو المنصب، أو رأي شخص بعينه. ثم قل بصوت مسموع فوق تلك الورقة: "إنّما هو صخرتي وخلاصي، ملجإي فلا أتزعزع". قلها حتى لو لم تشعر بها، فداود أيضًا قالها لنفسه قبل أن يصدّقها.

السياق

العنوان العبريّ ينسب المزمور لداود ويوجّهه إلى "يدوثون"، أحد رؤساء المرنّمين، ما يعني أنّه كُتب ليُرنَّم في الجماعة لا ليبقى مذكّرة خاصّة. والخلفيّة على الأرجح مؤامرة بلاط: الحديث عن "شرفه" أي مكانته ومجده، وعن أناس "يرضون بالكذب" ويباركون في العلن، يناسب عالم القصور الشرقيّ حيث يُسقَط الملك بالهمس قبل السيف، كما في أيّام أبشالوم وأخيتوفل. في ذلك العالم كانت النجاة تُشترى بالتحالفات: صهر قويّ، جيش مرتزقة، ذهب يُدفع لمصر أو لأرام. داود يعرف هذه الأدوات جيّدًا، وهو هنا يضعها كلّها في الميزان ويقول: فارغة. وحين يدعو الشعب "اسكبوا قدّامه قلوبكم"، فهو يعلّمهم أن يفعلوا ما تعلّمه هو في المغاور.

الشخصيّة المحوريّة

الله في هذا المزمور ليس فكرة بل مكان: صخرة، ملجأ، محتمى. ثلاث كلمات كلّها مأخوذة من جغرافيا الهرب في برّيّة يهوذا، حيث الصخرة العالية هي الفرق بين الحياة والموت. والمدهش في الختام أنّ داود يسمع من الله اثنتين في كلمة واحدة: "أنّ العزّة لله، ولك يا ربّ الرحمة". القوّة والرحمة ليستا عنده صفتين متنافستين يوازن بينهما، بل نَفَس واحد. الإله القويّ وحده يقدر أن يرحم بلا خوف من أن تُستغلّ رحمته، والإله الرحوم وحده تكون قوّته أمانًا لا تهديدًا. ولذلك يمكن أن يُسكب أمامه القلب كاملًا، بغضبه وشكّه ورغبته في الانتقام، دون تجميل.

النصّ الموازي

قارن هذا بما قاله إرميا عن الاتّكال على البشر وعلى الذات، حيث يصير الإنسان كعرعر في البادية بينما المتّكل على الربّ كشجرة على المياه؛ المزمور يقول الشيء نفسه بلغة الميزان بدل لغة الشجرة. وقارن أيضًا "اسكبوا قدّامه قلوبكم" بحنّة في سفر صموئيل الأوّل، التي قالت عن نفسها إنّها سكبت نفسها أمام الربّ وهي مرّة النفس حتى ظنّها عالي سكرى. سكب القلب ليس صلاة مرتّبة؛ إنّه إفراغ إناء. والمزمور يجعل من هذا الفعل الخاصّ وصيّة عامّة للجماعة كلّها: افعلوا هذا في كلّ حين، لا في الأزمات فقط.

أسئلة للتأمّل

ما هو الشيء الذي لو وُضع في ميزان الآية التاسعة لارتفعت كفّته فارغةً، ومع ذلك ما زلت أبني عليه حساباتي؟

داود كلّم نفسه بدل أن يصغي إليها. ما الذي تقوله لي نفسي هذه الأيّام، وماذا ينبغي أن أقول لها أنا؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Psalms 62

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى المزامير 62؟
ستّ مرّات تتكرّر كلمة واحدة في هذا المزمور: "إنّما". إنّما لله انتظرت نفسي، إنّما هو صخرتي، إنّما يتآمرون، إنّما باطل بنو آدم. يبدأ داود بإعلان هدوء غريب في وسط هجوم: الله وحده خلاصي وملجإي. ثم يلتفت إلى مهاجميه الذين يبدو أنّه صار في أعينهم حائطًا مائلًا يكفيه دفعة واحدة ليسقط، أناس يباركون بأفواههم ويلعنون بقلوبهم.
عمّ يتحدث المزامير 62؟
الحائط المنقضّ والجدار الواقع صورة عن إنسان صار الجميع يرونه ساقطًا لا محالة، فيستعجلون نهايته. وهذه الصورة تجد ذروتها في واحد وقف وحده، باركوه بأفواههم ("السلام يا سيّدي") ولعنوه بقلوبهم، وتآمروا ليدفعوه عن شرفه. المسيح هو الذي أخذ هذا المزمور إلى أعمق نقطة ممكنة: سلّم نفسه لله وحده، ولم يتّكل على ظلم ولا على خطف، ولم يضع قلبه على شيء مّما عُرض عليه في البرّيّة.
ما هو السياق التاريخي لـ المزامير 62؟
ولاحظ أنّه لا يطلب أن تُزال المعركة. يقول "لا أتزعزع كثيرًا" في الآية الثانية، ثم "فلا أتزعزع" في السادسة. الهدوء نما أثناء الكلام، لا قبله.
ماذا يعلّمنا المزامير 62 عن صفات الله؟
العنوان العبريّ ينسب المزمور لداود ويوجّهه إلى "يدوثون"، أحد رؤساء المرنّمين، ما يعني أنّه كُتب ليُرنَّم في الجماعة لا ليبقى مذكّرة خاصّة. والخلفيّة على الأرجح مؤامرة بلاط: الحديث عن "شرفه" أي مكانته ومجده، وعن أناس "يرضون بالكذب" ويباركون في العلن، يناسب عالم القصور الشرقيّ حيث يُسقَط الملك بالهمس قبل السيف، كما في أيّام أبشالوم وأخيتوفل.
كيف لا يزال المزامير 62 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
قارن هذا بما قاله إرميا عن الاتّكال على البشر وعلى الذات، حيث يصير الإنسان كعرعر في البادية بينما المتّكل على الربّ كشجرة على المياه؛ المزمور يقول الشيء نفسه بلغة الميزان بدل لغة الشجرة. وقارن أيضًا "اسكبوا قدّامه قلوبكم" بحنّة في سفر صموئيل الأوّل، التي قالت عن نفسها إنّها سكبت نفسها أمام الربّ وهي مرّة النفس حتى ظنّها عالي سكرى.

ما الذي يلمسك في Psalms 62؟

لم تُشارَك أي تأملات على هذا المقطع بعد. كن أول من يترك شيئًا: تأملاً أو صلاة أو شكرًا.

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة