رومية 15:13
النص
جملة واحدة، صلاة لا تعليم: أن يملأ "إله الرجاء" قلوب أهل رومية بكل سرور وسلام، وذلك "في الإيمان"، حتى يفيض فيهم الرجاء نفسه بقوة الروح القدس. ليست وصيةً بأن يتشجّعوا، ولا نصيحةً بأن يفكّروا تفكيرًا إيجابيًّا؛ بولس يتوقّف عن الحجاج ويلتفت إلى الله. والآية تأتي مباشرةً بعد اقتباس إشعياء عن "أَصْلُ يَسَّى" الذي "عَلَيْهِ سَيَكُونُ رَجَاءُ ٱلْأُمَمِ"، فكأن الصلاة هي صدى الوعد: ما قاله النبي عن الشعوب البعيدة، يطلبه الرسول الآن لجماعة مُنقسمة تتشاجر على الطعام والأيام. الرجاء الموعود للأمم يصير رجاءً يُسكب في قلب كنيسة بعينها، في مدينة بعينها، بين أناس يصعب عليهم أن يقبل بعضهم بعضًا.
الجوهر
لاحظ الاسم الذي يختاره بولس: لا "إله القدرة" ولا "إله المجد"، بل "إِلَهُ ٱلرَّجَاءِ". الله ليس موضوع رجائنا فحسب، بل مصدره ومُعطيه؛ الرجاء لا يُنتَج من داخلنا بمجهود نفسيّ، بل يُملأ به الإنسان من خارجه كما يُملأ إناء فارغ. وهنا يسكن الغموض الذي يستحقّ الصمت: السرور والسلام يُعطَيان "فِي ٱلْإِيمَانِ"، أي داخل تلك المساحة التي نتّكل فيها على ما لا نراه بعد. فالفرح المسيحيّ ليس إنكارًا للواقع المرّ، بل ثمرة الثقة بأن الله صادق في مواعيده. ثم تأتي الكلمة الأغرب: "لِتَزْدَادُوا". الرجاء ليس كميّة ثابتة تُسلَّم مرّة واحدة، بل شيء يفيض ويتّسع، وليس بإرادتنا بل "بِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ". أي أن أصغر شعلة رجاء في صدرك هي عمل الله فيك، لا إنجازك أنت.
الخيط الناظم
"أَصْلُ يَسَّى" ليس استعارة شعرية؛ إنه جذع شجرة مقطوعة. بيت داود صار جذلًا في الأرض، والنبي يرى منه قائمًا يسود على الأمم. بولس يقرأ هذا الوعد ويعرف أين تحقّق: في مصلوب قام. ولهذا فإن الرجاء الذي يصلّي لأجله ليس تفاؤلًا معلّقًا في الفراغ، بل مربوط بواقعة حدثت، بقبر فارغ خارج أورشليم. والخيط يمتدّ أبعد: الله الذي أعطى موعدًا لآباء إسرائيل، أثبته في المسيح الذي "صَارَ خَادِمَ ٱلْخِتَانِ، مِنْ أَجْلِ صِدْقِ ٱللهِ"، ثم فتح الباب للأمم حتى يمجّدوا الله "مِنْ أَجْلِ ٱلرَّحْمَةِ". صدقٌ لليهود، رحمةٌ للأمم، ورجاءٌ واحد يلمّ الاثنين. لاحظ أن بركة الرجاء تأتي بعد كلام طويل عن احتمال الضعفاء والقبول المتبادل. كأن بولس يقول: الرجاء ليس هربًا من الجماعة الصعبة، بل القوة التي تجعلك تبقى فيها.
المرآة
الرجاء يُختبر في التفاصيل الصغيرة، لا في الأفكار الكبيرة. هل تلاحظ كيف أن أكثر ما يسرق سرورك هو أمر ملموس: تقرير طبي معلّق، ابن لا يكلّمك منذ شهور، راتب لا يكفي آخر الشهر، زميل في العمل تعرف مسبقًا بماذا سيجرحك اليوم؟ نحن نسمّي هذا واقعية، لكن بولس يسمّي الرجاء واقعية أعمق. وهنا يفضحنا النص: إن كان الرجاء يُسكب "بِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ"، فلماذا نتصرّف كمن عليه أن يصنعه بنفسه، بالانشغال، أو بالتحليل الذي لا ينتهي، أو بالتظاهر بأن كل شيء على ما يرام؟ ربما لأن استقبال عطية يعني الاعتراف بأننا فارغون. افعل هذا اليوم: اجلس خمس دقائق في صمت، وقل لله بصوت مسموع اسم الأمر الذي سرق منك السلام، ثم صلِّ هذه الآية بنفسها، مبدّلًا "كُمْ" بـ"ـني": وليملأني إله الرجاء كل سرور وسلام في الإيمان.
الملامح
جماعة رومية ليست كنيسة واحدة متجانسة، بل بيوتًا متفرّقة في عاصمة إمبراطورية. فيها يهود عادوا بعد نفي الإمبراطور كلوديوس ليجدوا أماكنهم قد أخذها مؤمنون من الأمم، وفيها أمميّون لا يفهمون لماذا يتمسّك إخوتهم بأطعمة وأيام. الخلاف ليس نظريًّا؛ إنه حول مائدة مشتركة، أي حول من يُقبَل ومن يُستثنى. ثم يأتي هذا الكلام عن الرجاء إلى أذن رجل يعمل عبدًا في بيت وثنيّ، وإلى امرأة دفنت أطفالها، وإلى جماعة تعرف أن الولاء للمسيح قد يكلّف. هم لم يسمعوا تعزية ناعمة، بل سمعوا أن إله إسرائيل، الصادق في مواعيده القديمة، هو الآن إلههم، وأن المستقبل بيده. هذه هي الكلمة التي تجعل الإنسان قادرًا على احتمال أخيه.
السؤال
لكن ماذا لو صلّينا هذه الصلاة ولم يأتِ السرور؟ هذا سؤال لا يجوز تمريره بسرعة. مؤمنون كثيرون صلّوا وبقيت العتمة. هل نقصت فيهم قوة الروح؟ أم أن إيمانهم ضعيف؟ النص لا يعطينا جوابًا، وهذا في ذاته معنى. لاحظ فقط أن بولس يصلّي؛ لا يأمر ولا يضمن توقيتًا. فالسرور والسلام عطيّتان، والعطيّة لا تُنتزع. وربما يكون الرجاء أحيانًا هو بالضبط ما يبقى حين يغيب الشعور بالسرور: قدرة على الاستمرار في المجيء إلى الله بيدين فارغتين. بولس نفسه يطلب بعد قليل أن يُصلَّى لأجله لكي يُنقَذ، وهو لا يعرف ماذا ينتظره في أورشليم. الرجاء لا يعني معرفة النهاية، بل معرفة مَن يمسك بها.
الشخصية المحورية
الفاعل في هذه الآية ليس الإنسان. "وَلْيَمْلَأْكُمْ"، "لِتَزْدَادُوا"، "بِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ": كل حركة تبدأ من الله وتنتهي عند الإنسان. هذا الله يُعرَّف هنا بما يعطيه، لا بما يملكه فقط؛ وقبل أسطر قليلة سمّاه بولس "إِلَهُ ٱلصَّبْرِ وَٱلتَّعْزِيَةِ"، وبعد قليل سيسمّيه "إِلَهُ ٱلسَّلَامِ". ثلاثة أسماء تشكّل صورة واحدة: إله لا ينسحب من جماعة متعبة، بل يصبر عليها ويعزّيها ويملؤها. ملاحظة أخيرة تستحقّ أن نسكت أمامها: الرجاء هنا عمل ثلاثي، الآب يعطي، والابن هو أصل يسّى الذي عليه يكون الرجاء، والروح هو القوة التي تُفيضه فينا. ليس مفهومًا نفهمه، بل حياة تدخل فينا من ثلاث جهات.
للتأمل
أين في حياتك الآن تحاول أن تصنع رجاءً بجهدك الخاص، بدل أن تستقبله كعطيّة؟
من هو الشخص في جماعتك الذي يصعب عليك قبوله، وكيف قد يتغيّر موقفك منه لو صدّقت أن الله يملؤك رجاءً يكفي للاثنين؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Romans 15:13
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى رومية 15:13؟
عمّ يتحدث رومية 15:13؟
ما هو السياق التاريخي لـ رومية 15:13؟
ماذا يعلّمنا رومية 15:13 عن صفات الله؟
كيف لا يزال رومية 15:13 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Romans 15
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
فليرض كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان." لاحظ القيد الصغير: للخير، لأجل البنيان. ليس إرضاءً يجاملك على حساب الحق، ولا صمتاً يتركك حيث أنت. بولس يكتب هذا للأقوياء، لمن يستطيع أن يفرض رأيه وينتصر في النقاش. هل تحتمل أن تتنازل عن حقك اليوم لكي يقف أخوك؟ المسيح نفسه "لم يرض نفسه".
يا رب، علّمني أن أحمل ضعف من حولي بدل أن أثقلهم بتوقعاتي. حين أقوى في شيء، لا تدعني أستخدم قوتي لأُرضي نفسي، بل لأسند من يتعثر. اجعل صبري عليهم صورة صغيرة من صبرك الطويل عليّ.
وأقول إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله حتى يثبت مواعيد الآباء". تأمل الكلمة: صار خادماً. ابن الله أخذ مكان العبد لا ليثبت نفسه بل ليثبت صدق أبيه. وعودٌ قُطعت لإبراهيم وإسحق ومات أصحابها منتظرين، ولم ينسها الله يوماً. إن كان أمين هكذا مع وعدٍ عمره قرون، أفتظن أنه نسي الوعد الذي أعطاك إياه وأنت تنتظر منذ سنوات؟
أشكرك يا رب لأنك تسمع صلوات إخوتي حين يطلبون لأجلي، ولأنك تنقذني ممن يقاومون الحق. أشكرك أنك تجعل خدمتي "مقبولة عند القديسين"، فلا يذهب تعبي باطلاً، بل تقبله أنت وتسكب به بركة على شعبك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة