الشفاء في الكتاب المقدس
مقدمة
الثالثة صباحًا في ممرّ مستشفى. رائحة المطهِّر، وضوء أبيض بارد، وهاتف في يدٍ مرتجفة يكتب في خانة البحث: "آيات عن الشفاء من المرض". تظهر القائمة، فتُنسخ الآيات وتُرسل إلى مجموعة العائلة، ويُقال آمين. ثم يأتي الصباح، وأحيانًا يأتي الخبر الجميل، وأحيانًا لا يأتي. وفي كلتا الحالتين يبقى سؤال أعمق من قائمة الآيات: ما الذي وعد به الله فعلًا حين قال عن نفسه "أنا الرب شافيك"؟
هذه الصفحة ليست قائمة آيات تُنسخ وتُرسل. هي رحلة في الكتاب المقدس كلّه، من مياه مارّة المرّة إلى شجرة الحياة في الفردوس، لنرى كيف يعمل الله الشافي، وماذا فعل المسيح بالمرض على الصليب، ولماذا يُشفى أحدهم ولا يُشفى آخر، وكيف نصلّي بإيمان حقيقي دون أن نكذب على أنفسنا.
زاوية هذا الدليل
سنقرأ الشفاء في الكتاب المقدس كـعُربون، لا كعقد. العربون في الكتاب المقدس هو الدفعة الأولى التي تضمن باقي الميراث؛ والشفاء في كل صفحات الوحي هو دفعة أولى من عالمٍ آتٍ لا يوجد فيه وجع. أما العقد فهو ما نحاوله أحيانًا: إيمان مقابل صحة، تسبيح مقابل نتيجة تحليل. هذه الزاوية تحمينا من طرفين: من إنكار قدرة الله على الشفاء اليوم، ومن تحويل نعمته إلى آلة بيع. الشافي ليس مضطرًا، لكنه أيضًا ليس بعيدًا. وكل شفاء نلمسه هنا هو رشفة من نهرٍ سيغرقنا فرحًا هناك.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن الشفاء؟
أول مرة يُعلن الله عن نفسه بوصف "شافي" لم تكن في مستشفى بل في صحراء. الشعب خرج من مصر، ووجد ماءً مرًّا في مارّة، فأمر الله موسى بشجرة طرحها في الماء فصار عذبًا، ثم قال: "فقال ان كنت تسمع لصوت الرب الهك سمعا وتصنع الحق في عينيه وتصغي الى اوامره وتحفظ جميع فرائضه فمرضا ما ممّا وضعته على المصريين لا اضع عليك. فاني انا الرب شافيك" (خروج 15:26). لاحظ الترتيب: الله لا يقول "أنا الرب المداوي للحالات الطارئة"، بل يجعل الشفاء اسمًا من أسمائه. هذا ليس خدمة يقدّمها، بل طبع فيه. ولاحظ السياق أيضًا: ماءٌ مرّ صار حلوًا. الشفاء في الكتاب المقدس أوسع من الجسد؛ إنه تحويل المرّ إلى عذب في كل مكان لمسه السقوط.
ثم يأخذ داود هذا الاسم ويضعه في تسبيحة: "الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل امراضك" (مزمور 103:3). الآية الواحدة تربط بين المغفرة والشفاء بحرف واحد، وهذا الربط هو مفتاح الكتاب المقدس كلّه. المرض ليس عقابًا شخصيًّا على خطية معيّنة (سنعود إلى هذا)، لكنه ثمرة عالم مكسور بالخطية. لذلك لا يمكن أن يُشفى الجسد شفاءً نهائيًّا قبل أن تُشفى الجذور. الله لا يعالج الأعراض فقط؛ إنه يذهب إلى المصدر.
الأنبياء أخذوا هذه الحقيقة وصرخوا بها إلى شعبٍ جريح. إرميا يكتب إلى أمّة مسحوقة، منبوذة، بلا سائل عنها، فيسمع صوت الرب: "لاني ارفع عنك العصائب واشفي جروحك يقول الرب. لانهم قد دعوك منبوذة صهيون التي لا سائل عنها" (إرميا 30:17). الشفاء هنا جماعي وتاريخي: أمّة تُرمَّم، ومدينة تُبنى، وكرامة مهدورة تُردّ. والسبب المذكور مذهل: يشفيها لأن الناس دعوها منبوذة. تُهمِّشك البشرية فيتقدّم الله. هذا هو منطق النعمة.
وفي قلب الأنبياء تقف الآية التي لا يمكن الحديث عن الشفاء دونها: "وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا. تأديب سلامنا عليه وبجلدته شفينا" (إشعياء 53:5). هنا يتغيّر كل شيء. الشافي لن يشفي من بعيد بكلمة سلطان فقط، بل سيدخل هو نفسه في الجرح. "بجلدته شفينا": الجراح صارت دواءً. لا يوجد في أي دين آخر إله يجرح نفسه ليُبرئ خلقه.
ثم نصل إلى الأناجيل، فنجد الوعد ماشيًا على قدمين في طرق الجليل: "وامسى فقدموا اليه مجانين كثيرين. فاخرج الارواح بكلمة وجميع المرضى شفاهم" (متى 8:16). ومتى لا يتركنا نتساءل عن معنى ذلك، بل يفسّره فورًا في الآية التالية بأنه إتمام لكلام إشعياء: "هو اخذ اسقامنا وحمل امراضنا" (متى 8:17). المسيح لم يشفِ ليُبرهن قوّته فحسب، بل لأنه كان يحمل. كل لمسةٍ شفاء كانت تنقل الثقل من الإنسان إلى نفسه، حتى حمل الثقل كلّه على الخشبة.
والكنيسة الأولى لم تعتبر هذا ذكرى، بل ممارسة: "أمريض احد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب" (يعقوب 5:14). الشفاء صار شيئًا يُطلب في وسط الجماعة، لا في العزلة. وبطرس يختم اللوحة بالتفسير النهائي: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم" (1 بطرس 2:24). الفعل هنا في الماضي: "شفيتم". العربون سُدِّد بالكامل على الصليب؛ ونحن نعيش الآن بين استلام العربون واستلام الميراث.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
يبدأ الخيط قبل الشفاء: يبدأ عند شجرة. جسد الإنسان لم يُخلق ليتحلّل؛ المرض والموت دخلا كضيفين ثقيلين بعد تكوين 3، فكل مرض هو صدى لذلك الانفصال. ولهذا فإن أول ذكر للشفاء في الكتاب المقدس هو استجابة صلاة: "فصلّى ابراهيم الى الله. فشفى الله ابيمالك وامرأته وجواريه فولدن" (تكوين 20:17). منذ البداية، الشفاء ليس تقنية، بل علاقة وشفاعة.
في التوراة، يوضع الشفاء تحت رعاية الله وحده. الشرائع تهتمّ بالجسد اهتمامًا لافتًا: قوانين الطهارة، والحجر الصحي للأبرص، والامتناع عن أطعمة معينة، وراحة يوم السبت. لم يكن هذا سحرًا ولا مجرّد طبّ وقائي؛ كان تدريبًا على حقيقة أن الجسد يهمّ الله. ثم يقف موسى ويصرخ من أجل أخته المصابة بالبرص أقصر صلاة شفاء في الكتاب: "فصرخ موسى الى الرب قائلا اللهم اشفها" (عدد 12:13). ست كلمات. لا صيغة ولا إعلان، فقط صراخ.
في تاريخ الملوك يظهر الأنبياء كأدوات في يد الشافي: إيليا وأرملة صرفة، وأليشع ونعمان السرياني الذي غُسل سبع مرات في الأردن، وحزقيا الذي بكى على سريره فسمع: "قد سمعت صلاتك. قد رأيت دمعك. هانذا اشفيك" (2 ملوك 20:5). وفي المقابل نُقرأ عن آسا الذي مرض في رجليه "ولم يطلب الرب بل الاطباء" (2 أخبار 16:12)، وهي ليست إدانة للطبّ بل للقلب الذي يستغني عن الله في كل شيء.
في المزامير والأمثال يتّسع الشفاء ليشمل الداخل: "يشفي المنكسري القلوب ويجبر جراحاتهم" (مزمور 147:3)، و"القلب الفرحان يطيب شفاء والروح المنكسرة تجفف العظم" (أمثال 17:22). الكتاب المقدس لا يفصل بين وجع النفس ووجع العظم؛ يعرف أن الإنسان وحدة واحدة.
وفي الأنبياء يُصبح الشفاء نبوءةً عن عصرٍ جديد: هوشع يدعو الشعب "هلم نرجع الى الرب لانه هو قد مزق فيشفينا"، وملاخي يختم العهد القديم بشمس مشرقة: "ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر والشفاء في اجنحتها" (ملاخي 4:2). آخر كلمة نبوية قبل صمت الأربعمئة سنة كانت وعدًا بشفاء قادم مع الشمس.
ثم تشرق الشمس. خدمة يسوع المسيح كانت مشبعة بالشفاء إلى حدّ أن الجموع كانت تُحصى بالمرضى: عمي، وبرص، ومفلوجون، وامرأة نازفة اثنتي عشرة سنة، ورجل مربوط بسرير بيت حسدا ثمانيًا وثلاثين سنة. لم يشفِ المسيح كل مرضى فلسطين، وهذا مقصود؛ كان يزرع علاماتٍ، لا يفتح عيادة. كل شفاء كان لافتة تشير إلى الملكوت: هكذا سيصير كل شيء.
وبعد الصعود، انتقل العربون إلى الكنيسة. بطرس يقول للمقعد عند باب الهيكل: "باسم يسوع المسيح الناصري قم وامش" (أعمال 3:6)، وبولس يذكر "مواهب شفاء" بين مواهب الروح في 1 كورنثوس 12:9. ومع ذلك، في الرسائل نفسها نجد أفرودتس الذي "مرض قريبا من الموت" (فيلبي 2:27)، وتروفيمس الذي تركه بولس "في ميليتس مريضا" (2 تيموثاوس 4:20)، وتيموثاوس بأسقامه الكثيرة (1 تيموثاوس 5:23)، وبولس نفسه بشوكته التي لم تُرفع. الكنيسة الأولى عرفت الشفاء والمرض في الوقت ذاته دون أزمة إيمان، لأنها فهمت أنها تحمل عربونًا وليس عقدًا.
ويختم الكتاب المقدس بمشهدٍ يجعل كل قائمة آيات عن الشفاء تكتمل: مدينة فيها نهر، وعلى النهر شجرة حياة، "وورق الشجرة لشفاء الامم" (رؤيا 22:2)، ومعها الوعد: "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم. والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لان الامور الاولى قد مضت" (رؤيا 21:4). من شجرةٍ فُقد الجسد، وبشجرةِ صليبٍ حُمل، وإلى شجرةٍ سيُشفى تمامًا.
من مارّة إلى الجلجثة إلى شجرة الحياة، خيط واحد.
مفاهيم خاطئة شائعة
المفهوم الأول: "كل مرض هو نتيجة خطية أو غياب إيمان." هذا هو منطق أصحاب أيوب، وقد أدانه الله صريحًا. والمسيح حسم الأمر عند الأعمى: "اجاب يسوع لا هذا اخطأ ولا ابواه لكن لتظهر اعمال الله فيه" (يوحنا 9:3). نعم، الكتاب المقدس يعترف بأن للخطية أحيانًا ثمرًا جسديًّا، ويعقوب يقول في سياق الصلاة للمريض "وان كان قد فعل خطية تغفر له" (يعقوب 5:15)، لكن كلمة "إن كان" تنقض القاعدة العامة. لا تسمح لأحد أن يجعل جسدك المتعب سجلًّا لخطاياك. الصليب أخذ الحكم؛ ما بقي من ضعف ليس عقوبة.
المفهوم الثاني: "بجلدته شفينا تعني أن كل مسيحي له حقّ مضمون في صحّة كاملة الآن." هذه الآية (إشعياء 53:5 و1 بطرس 2:24) هي أعظم أساس للرجاء، لكن قراءتها كعقدٍ تنفيذي فوري تتجاهل زمن الكتاب المقدس. بولس يشرح الترتيب: "نحن انفسنا ايضا الذين لنا باكورة الروح نحن انفسنا ايضا نئن في انفسنا متوقعين التبني فداء اجسادنا" (رومية 8:23). لدينا الباكورة، لا الحصاد. فداء الجسد آتٍ ومؤكد، لكن موعده القيامة. لو كانت الصحّة الكاملة حقًّا حاضرًا للمؤمن، لكان الموت نفسه انتهى، ولما مات رسول ولا شهيد. الشفاء الذي نناله اليوم حقيقي، لكنه عيّنة.
المفهوم الثالث: "إن لم تُشفَ فإيمانك ناقص." هذه الجملة قتلت رجاء كثيرين. تأمّل في بولس، الذي شُفي على يديه مرضى كثيرون، حين طلب ثلاث مرات رفع شوكته فسمع: "تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل" (2 كورنثوس 12:9). لو كان عدم الشفاء دليل ضعف إيمان، لكان بولس أضعف المؤمنين. الإيمان الحقيقي ليس ثقةً بأنني سأُشفى؛ إنه ثقة بأن الشافي صالح سواء شفى الآن أو أجّل إلى القيامة. الإيمان الذي لا يستطيع الوقوف إلا على نتيجة واحدة ليس إيمانًا، بل مقايضة.
المفهوم الرابع: "الذهاب إلى الطبيب قلّة ثقة بالله." لوقا، كاتب الإنجيل الثالث وسفر الأعمال، يسمّيه بولس "الطبيب الحبيب". وبولس يوصي تيموثاوس بعلاج عملي لمعدته (1 تيموثاوس 5:23). والسامري الصالح صبّ زيتًا وخمرًا على الجروح. الطبّ ليس منافسًا لله بل من عطاياه العامة؛ الله يشفي أحيانًا بكلمة وأحيانًا بمشرط وأحيانًا بجرعة دواء وصبرٍ طويل. الخطأ الحقيقي هو ما فعله آسا: أن نطلب العلاج وننسى الطالب الأول، لا أن نطلب العلاج.
كيف نعيشه اليوم
أول خطوة عملية هي أن نصلّي بلا اعتذار. كثيرون صاروا يخافون أن يطلبوا الشفاء صراحة كي لا يُصابوا بخيبة أمل، فيصلّون بغموض: "لتكن مشيئتك". المشيئة أهل أن نستسلم لها، لكن الكتاب المقدس مليء بمن سمّى طلبه بوضوح: "اللهم اشفها" (عدد 12:13)، ودمعة حزقيا على السرير. اطلب بجسارة، ثم سلّم بثقة. الصلاة الجسورة المسلّمة هي أنقى ما يقدّمه المؤمن المتألم.
الخطوة الثانية جماعية. يعقوب 5:14 لا يقول "فليصلِّ المريض" بل "فليدع شيوخ الكنيسة". المريض غالبًا لا يقدر أن يحمل نفسه، فتأتي الجماعة لتحمله: صلاة، ودهن بزيت كعلامة منظورة، وحضور. إن كنت في كنيسة، اطلب هذا؛ لا تُصارع في غرفتك وحدك. وإن كنت سليمًا، فأنت مدعوّ لتكون أنت الجماعة لأحدٍ ما: زيارة، طبق طعام، توصيلة إلى المستشفى، رسالة في الثالثة صباحًا.
الخطوة الثالثة: اطلب الشفاء الكامل، لا الجزئي فقط. مزمور 103:3 يضع المغفرة قبل الشفاء لأن هناك جروحًا لا يبلغها أي دواء: مرارة قديمة تجاه أب، ذكرى تُطبق على الصدر، إدمان صار موطنًا. حين نصلّي "اشفني" لنكن مستعدين أن يبدأ الله من مكان لم نتوقّعه. أحيانًا يشفي الله العلاقة قبل الغدّة.
الخطوة الرابعة: استخدم كل الوسائل بشكرٍ. اذهب إلى الطبيب، خذ الدواء، نَم، تحرّك، عالج قلقك، اطلب المشورة. ليست هذه بدائل عن الله بل عطايا من يده، وشكرنا عليها هو نوع من العبادة.
الخطوة الخامسة، وهي الأصعب: تعلّم أن تعيش مع الوعد المؤجّل. إن كان مرضك مزمنًا أو تشخيصك نهائيًّا، فالكتاب المقدس لا يطلب منك أن تتظاهر بالانتصار. يعطيك بدلًا من ذلك عربونًا في يدك: روح الله ساكنًا فيك الآن، وقيامة موعودة لجسدك بعينه. ولذلك يستطيع المؤمن المتألم أن يقول ما لا يقوله أحد: جسدي في طريقه إلى الترميم، لا إلى المهملات.
المرآة
دعني أسألك سؤالًا لا يظهر في محرك البحث: ما الذي تريده أكثر، الشفاء أم الشافي؟ السؤال ليس اتهامًا؛ فمن الطبيعي جدًّا أن تريد أن يتوقف الوجع. لكنك تعرف قلبك، وتعرف تلك اللحظة التي تتحوّل فيها الصلاة إلى محاولة إدارة الله: إن صلّيت أكثر، إن آمنت أقوى، إن صمت، إن نذرت. أنت لا تصلّي حينها، أنت تتفاوض. والتفاوض متعب، لأنه يجعل الله موظفًا في مشروعك بدل أن يكون أباك.
وهناك مرآة ثانية. المرض يكشف ما نبنيه فعلًا. اكتشف كثيرون في سنة مرضٍ واحدة أن عملهم لا يحتاجهم كما كانوا يظنون، وأن أولادهم يحتاجونهم أكثر مما كانوا يظنون، وأن المال الذي أُخِّرت من أجله الأمسيات كلها ذهب إلى فاتورة واحدة. جسدك ليس عائقًا عن حياتك الروحية؛ جسدك هو المكان الذي تحدث فيه حياتك الروحية. الله يهتمّ بنومك وطعامك وحدودك ليس لأنه ينظّم جدولك، بل لأنه يحبّ الجسد الذي خلقه وسيقيمه.
ومرآة ثالثة، أثقل: هل تنتظر أن تُشفى لتبدأ الخدمة والفرح والعطاء؟ أعرف من يقول "حين أتحسّن، سأعود إلى الكنيسة، سأصالح أخي، سأخدم". ربما هذا العام هو كل ما لديك. النعمة لا تُشترط بجسدٍ سليم. بولس كتب أعمق ما كتبه من ضعفٍ لم يُشفَ، ومن سجن.
وإن كنت الآن على السرير أو بجانب سرير، فاسمع هذا: أنت لست منبوذًا. الآية التي تقول "لاني ارفع عنك العصائب واشفي جروحك" قيلت لشعبٍ لم يكن له سائل. الله يتحرّك نحو المتروكين. ربما تأخّر جوابه، لكنه لم يغيّر اسمه؛ ما زال يُدعى شافيك.
ربما تأخّر جوابه، لكنه لم يغيّر اسمه.
مشروح للأطفال
الأطفال يسألون عن المرض بصدق مربك: "هل جدّي سيموت؟"، "هل الله زعلان منّي فمرضت؟". والإجابة الأسهل والأسوأ هي الصمت أو الوعد الذي لا نملكه ("لا تقلق، الله سيشفيه غدًا"). الأفضل أن نعطيهم صورة صحيحة ببساطة: الله خلق أجسادنا جميلة وقويّة، وفي عالمنا انكسر شيء فصار فينا مرض وحزن؛ لكن يسوع جاء وأخذ أوجاعنا على نفسه، وكان يشفي الناس ليقول لنا كيف سيصير كل شيء في النهاية. ولذلك نصلّي دائمًا ونطلب الشفاء، وأحيانًا يشفي الله بسرعة، وأحيانًا بالدواء والأطباء، وأحيانًا ينتظرنا حتى يوم لا يعود فيه وجع أبدًا.
ومن المهم أن نقول للطفل بوضوح: مرضك ليس عقابًا، والله لا يغضب منك حين تمرض؛ هو أقرب إليك في المرض من أي وقت. ومفيد جدًّا أن نصلّي معهم بصوت مسموع من أجل شخصٍ مريض يعرفونه، وأن نعلّمهم أن يرسموا أو يكتبوا رسالة له، لأن الأطفال يفهمون المحبة عبر الأشياء الملموسة.
وعلى فيث نتورك تتوفّر شروحات مخصّصة لهذا الموضوع بحسب العمر: نسخة بسيطة جدًّا لمن هم بين الثالثة والسادسة تقوم على القصة والصورة، ونسخة لمن هم بين السابعة والثانية عشرة تدخل في قصص شفاء حقيقية من الأناجيل مع أسئلة نقاش، ونسخة للمراهقين من الثانية عشرة وما فوق تواجه بصراحة السؤال الصعب: لماذا لا يُشفى الجميع؟
الأسئلة الشائعة
ما هي أفضل آيات عن الشفاء من المرض للصلاة بها؟
ابدأ بخروج 15:26 "فاني انا الرب شافيك"، ومزمور 103:3 "الذي يغفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل امراضك"، ومزمور 147:3 "يشفي المنكسري القلوب ويجبر جراحاتهم"، وإرميا 30:17، وإشعياء 53:5، ويعقوب 5:14-15، و1 بطرس 2:24. والأهم من جمعها هو طريقة استخدامها: لا تُتلى كتعويذة، بل تُصلّى كحوار. اقرأ الآية بصوت مسموع، ثم قل لله ما تريده بوضوح، ثم سلّم الأمر ليده. الآية ليست أداة ضغط على الله، بل تذكير لقلبك بمن هو.
هل يشفي الله كل من يصلّي بإيمان؟
الله قادر أن يشفي كل مريض، ولكنه لا يفعل ذلك دائمًا في هذا الزمن، وهذا واضح في الكتاب المقدس نفسه: بولس طلب ثلاث مرات ولم تُرفع شوكته، فسمع "تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل" (2 كورنثوس 12:9)، وتروفيمس بقي مريضًا، وتيموثاوس عاش بأسقام كثيرة. الشفاء الكامل مضمون لكل مؤمن، لكن موعده القيامة، حين "لا يكون وجع في ما بعد" (رؤيا 21:4). لذلك نصلّي بجسارة ونثق بصلاح الله في التوقيت.
ماذا تعني عبارة "بجلدته شفينا" في إشعياء 53:5؟
تعني أن جراح المسيح ليست مأساةً عابرة بل دواء. النبي يتحدث أولًا عن أعمق مرضٍ فينا، وهو الخطية والانفصال عن الله؛ ولهذا يقول في السياق نفسه "مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا". لكن العبارة لا تتوقف عند الروح: متى 8:17 يطبّق نبوّة إشعياء على شفاء أجساد فعليّة، فيقول عن يسوع "هو اخذ اسقامنا وحمل امراضنا". فالصليب هو أساس كل شفاء، جسديًّا وروحيًّا، مقدَّم عربونًا الآن وكاملًا في القيامة.
هل المرض عقاب من الله على خطية معينة؟
في العموم، لا. المسيح رفض هذا المنطق صريحًا في يوحنا 9:3 عن الأعمى: "لا هذا اخطأ ولا ابواه لكن لتظهر اعمال الله فيه"، وسفر أيوب كُتب أساسًا لتفكيك هذه الفكرة. المرض جزء من عالم ساقطٍ يشترك فيه الأبرار والأشرار. ومع ذلك يعترف الكتاب المقدس بأن بعض الخطايا لها ثمر جسدي طبيعي، ويعقوب 5:15 يذكر احتمالًا: "وان كان قد فعل خطية تغفر له". فالفحص الذاتي أمام الله صحّي، أما إدانة المريض فليست من روح المسيح.
هل يجب أن أذهب إلى الطبيب أم أنتظر شفاء الله؟
الاثنان معًا، لأنهما ليسا متناقضين. الله يشفي أحيانًا بمعجزة مباشرة، وأحيانًا بمهارة طبيب ودواءٍ وصبرٍ طويل، وكلاهما من يده. بولس نصح تيموثاوس بعلاج عملي لمعدته وأسقامه الكثيرة (1 تيموثاوس 5:23)، ولوقا كاتب الإنجيل كان طبيبًا. التحذير الوحيد هو ما حدث مع الملك آسا الذي "لم يطلب الرب بل الاطباء" (2 أخبار 16:12): الخطأ ليس في العلاج، بل في قلبٍ لم يعد يرفع عينيه إلى الله أصلًا.
ما معنى الدهن بزيت للمريض في يعقوب 5:14؟
الزيت في الكتاب المقدس علامة منظورة للتخصيص وحضور الروح القدس، وكان أيضًا يُستخدم عمليًّا في العلاج القديم. عندما يقول يعقوب "فليدع شيوخ الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب"، فهو لا يصف سحرًا في السائل نفسه، بل خدمةً كنسيّة: المريض يُعلن حاجته، والقيادة الروحية تصلّي، والزيت يقول لجسده الملموس إن الله لم ينسه. القوة في اسم الرب وفي صلاة الإيمان، لا في نوع الزيت أو كميته.
لماذا شفى يسوع كثيرين وليس جميع مرضى زمانه؟
لأن معجزات الشفاء كانت علاماتٍ لا برنامج خدمات صحية. يسوع لم يأتِ ليؤجّل الموت بضع سنوات لكل إنسان، بل ليكسر جذر الموت ويفتح باب الملكوت. لذلك كان يشفي جموعًا كما في متى 8:16، وفي الوقت نفسه يترك مكانًا ويمضي إلى قرية أخرى ليكرز. وحتى من شُفوا وأُقيموا، مثل لعازر، عادوا ليموتوا لاحقًا. كل شفاء كان لافتةً تشير إلى العالم الآتي، حيث يصير الشفاء كاملًا ونهائيًّا وللجميع.
ما الفرق بين الشفاء الجسدي والشفاء الداخلي؟
الشفاء الجسدي يلمس الأعضاء والخلايا، والشفاء الداخلي يلمس الذاكرة والمشاعر والإرادة والعلاقات. الكتاب المقدس يربطهما دون أن يخلطهما: مزمور 103:3 يضع مغفرة الذنوب قبل شفاء الأمراض، ومزمور 147:3 يتحدث عن جبر جراحات القلوب المنكسرة، وأمثال 17:22 يذكر أثر القلب الفرحان على الجسد. أحيانًا يبدأ الله من الداخل لأنه يعلم أن جرح المرارة أخطر من جرح الجسد، وأحيانًا يشفي الجسد ليصل إلى القلب.
هل ما زالت مواهب الشفاء موجودة في الكنيسة اليوم؟
نعم، الروح القدس يوزّع مواهبه كما يشاء، ومنها ما يذكره 1 كورنثوس 12:9 صريحًا: "مواهب شفاء". لكن الكتاب المقدس لا يعطي أحدًا سلطة تلقائية على الشفاء بحسب رغبته؛ حتى الرسل لم يشفوا كل مريض قابلوه. لذلك نرحّب بعمل الله المعجزي ونطلبه، ونحترس في الوقت نفسه من كل خدمة تبيع الشفاء بمال، أو تلوم المريض على عدم شفائه، أو تجعل المعجزة برهانًا على مكانة الخادم بدل أن تكون علامةً تمجّد المسيح.
كيف أصلّي من أجل مريض لا أمل في شفائه طبيًّا؟
صلِّ بأمانة على ثلاثة مستويات: اطلب الشفاء صريحًا، فلا شيء مستحيل عند الله؛ واطلب الرحمة في التفاصيل، أي تسكين الوجع، ونومًا هادئًا، وكرامة، وقربًا من العائلة؛ واطلب الرجاء، أن يعرف هذا الشخص المسيح ويستقرّ فيه. صلاة كهذه لا تسقط أبدًا في الفراغ، لأن أحد طلباتها على الأقل يُستجاب دائمًا. واحرص أن تصلّي بحضورك وليس برسائلك فقط؛ يعقوب 5:14 يفترض أن أحدًا سيجيء إلى السرير فعلًا.
هل يمكن أن يستخدم الله المرض لخيرٍ ما؟
الكتاب المقدس لا يجمّل المرض ولا يسمّيه صالحًا في ذاته؛ إنه عدوّ سيُبطَل. لكنه يُظهر مرارًا أن الله يعمل حتى في هذا العدوّ: مرض حزقيا قاده إلى صلاة عميقة، وضعف بولس صار مكانًا لظهور قوّة المسيح، وعمى الرجل في يوحنا 9 صار مسرحًا لعمل الله. هذا لا يعني أن نبحث عن معنى فوري لكل تشخيص، ولا أن نقول للمتألمين كلامًا سهلًا. يكفي أن نعرف أن لا وجعًا يُهدَر في يديه.
كيف أحافظ على إيماني إن لم يأتِ الشفاء؟
بأن تعيد بناء إيمانك على شخص الله لا على النتيجة. الإيمان الذي يقوم على "سأُشفى" ينكسر عند أول نتيجة تحليل سيئة؛ أما الإيمان الذي يقوم على "أنا الرب شافيك" فيظلّ واقفًا، لأن اسمه لم يتغيّر. اقرأ رومية 8:23 وتذكّر أنك تحمل باكورة الروح لا الحصاد الكامل، وأن فداء جسدك موعود ومؤكد. واسمح لجماعة المؤمنين أن تحمل إيمانك حين تتعب، فهذا بالضبط ما وُجدت من أجله الكنيسة.
في الختام
آيات الشفاء في الكتاب المقدس ليست حبوبًا مهدّئة نتناولها عند الأزمة، ولا عقودًا نُلوّح بها في وجه السماء. إنها عربون في يد مرتجفة: دفعة أولى موقّعة بدم المسيح، تضمن أن هذا الجسد الذي يوجعك الآن سيُقام كاملًا، وأن هذا القلب المكسور سيُجبر، وأن مياه مارّة المرّة كلّها ستصير عذبة. لذلك نصلّي بجسارة، ونذهب إلى الطبيب بشكر، ونطلب من الكنيسة أن تصلّي علينا، ونرفض أن نُدين أنفسنا أو غيرنا حين يتأخّر الجواب.
إن أردت أن تكمل الطريق من هنا، فاقرأ إشعياء 53 كاملًا على مهل، ثم اقرأ متى 8 و9 لترى النبوّة تسير في الطرق، ثم يعقوب 5، ثم رؤيا 21 و22. هذه سلسلة واحدة: وعد، وحملٌ على الصليب، وممارسة في الجماعة، وإتمام في المدينة التي لا مرض فيها.
وحتى ذلك اليوم، تمسّك بالاسم لا بالنتيجة. الذي قال "فاني انا الرب شافيك" لم يسحب كلمته يومًا واحدًا.