لعازر في الكتاب المقدس
مقدمة
أربعة أيام. هذه هي المسافة بين الأمل والاستسلام في قصة عائلة صغيرة من قرية على سفح جبل الزيتون. أربعة أيام مرّت على الدفن، والحجر في مكانه، والرائحة بدأت، والنادبات انصرفن إلى الصمت. وفي اليوم الرابع تحديدًا، لا في الأول ولا في الثاني، يصل يسوع المسيح إلى بيت عنيا.
في قلب هذه القصة رجل اسمه لعازر. وهو رجل غريب في الكتاب المقدس: تُروى عنه واحدة من أعظم المعجزات، ويُذكر اسمه إحدى عشرة مرة في إنجيل يوحنا وحده، ومع ذلك لا يخرج من فمه حرف واحد. لا خطبة، لا شهادة، لا وصف لما رآه خلف الحجر.
في هذه الصفحة سنسير مع لعازر من مرضه إلى قبره، ومن قبره إلى مائدته، ومن مائدته إلى قائمة المطلوبين للقتل؛ وسنكتشف لماذا كان صمته هو بالضبط ما أراد الله أن يقوله.
زاوية هذا الدليل
أكثر ما يُكتب عن لعازر يتوقف عند المعجزة: الميت قام. أما هنا فسنقرأ حياته من زاوية أخرى: لعازر هو الشاهد الصامت. لم ينطق كلمة واحدة في الكتاب المقدس كله، لا هو ولا لعازر المسكين في مثل لوقا. الاثنان يحملان الاسم نفسه، ومعناه بالعبرية "الله أعان"، والاثنان لا يملكان شيئًا يقدّمانه سوى جسد عاجز. هذه الزاوية تهمّك لأنها تنزع عنك وهمًا قديمًا: أن الله يعمل مع الأقوياء الفصحاء. جسد لعازر الخارج من القبر كرز أكثر من ألف عظة. والنعمة، في جوهرها، ليست مكافأة على أدائك بل فعل الله في إنسان لا يستطيع فعل شيء.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن لعازر؟
يبدأ يوحنا الأصحاح الحادي عشر ببساطة تكاد تخدع القارئ: "وكان إنسان مريضا وهو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا أختها" (يوحنا 11:1). لاحظ كيف يُعرَّف لعازر: ليس بمهنته ولا بمكانته ولا بتقواه، بل بمرضه وبأختيه وبقريته. رجل عادي تمامًا. بيت عنيا قرية صغيرة على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات من أورشليم، على الطريق النازل إلى أريحا، وكانت بيتًا ثانيًا ليسوع كلما جاء إلى العاصمة.
الرسالة التي أرسلتها الأختان لافتة في اختصارها: "فأرسلت الأختان إليه قائلتين: يا سيد، هوذا الذي تحبه مريض" (يوحنا 11:3). لم تقولا "الذي يحبك"، بل "الذي تحبه". هنا يتعرّف لعازر بمحبة المسيح له لا بمحبته هو للمسيح. هويتك ليست في حبك لله بل في حبه لك. ويؤكد يوحنا ذلك بنفسه: "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر" (يوحنا 11:5).
ثم تأتي الصدمة اللاهوتية الأولى: "فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين" (يوحنا 11:6). التأخير ليس لامبالاة، بل هو ثمرة المحبة نفسها، لأن يوحنا يربط الجملتين بحرف العطف. المسيح أحبّهم، ولذلك تأخّر. هذا أصعب ما في القصة، وهو أصدق ما فيها.
عند وصوله تخرج مرثا بعتاب مغلّف بالإيمان: "يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي" (يوحنا 11:21). فيردّ الرب بأعظم إعلان في القصة كلها: "أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا" (يوحنا 11:25). انتبه إلى الفرق: مرثا تؤمن بقيامة مستقبلية في اليوم الأخير، ويسوع ينقل الإيمان من حدث إلى شخص. القيامة ليست موعدًا في التقويم، بل رجل واقف أمامها.
ثم يحدث ما لا يتوقعه أحد من رجل يعرف مسبقًا أنه سيقيم الميت: "بكى يسوع" (يوحنا 11:35). أقصر آية في الكتاب المقدس، وأعمق نافذة على قلب الله. لم يبكِ لأنه فقد الأمل، بل لأن الموت عدوّ، ولأن دموع من يحبّهم صارت دموعه. الفعل اليوناني الذي استُخدم قبلها في يوحنا 11:33 يحمل معنى الغضب المكتوم: "انزعج بالروح واضطرب". المسيح يقف أمام القبر غاضبًا على الموت وباكيًا على الأحياء.
وأخيرًا الكلمة التي شقّت الصخر: "ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر، هلم خارجا" (يوحنا 11:43). صوت عظيم، ونداء باسم شخصي. قال بعض الآباء القدامى إنه لو لم يذكر الاسم لقام كل موتى ذلك الوادي. والنتيجة في يوحنا 11:44: "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم يسوع: حلوه ودعوه يذهب". صورة مدهشة: المسيح يعطي الحياة، ويدعو الجماعة إلى فكّ الأربطة.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
اسم لعازر ليس جديدًا على الكتاب المقدس؛ إنه الصيغة اليونانية المختصرة لاسم عبري قديم: أليعازر، ومعناه "الله أعان" أو "الله هو عوني". أول من حمله في الكتاب كان خادم إبراهيم: "وقال أبرام: أيها السيد الرب، ماذا تعطيني وأنا ماض عقيما، ومالك بيتي هو أليعازر الدمشقي" (تكوين 15:2). في ذلك المشهد وقف إبراهيم أمام مستقبل مسدود: رحم عاقر، ووارث من خارج العائلة. وجاء الله ليفتح ما أغلقته الطبيعة. ومنذ تلك اللحظة صار الاسم نفسه إعلانًا: حين تنتهي إمكانيات الإنسان، يبدأ عون الله.
وحمل الاسم أيضًا ألعازار بن هارون، الكاهن الذي خدم بين الخيمة والشعب، ثم ألعازار في أيام يشوع. وفي كل مرة يتردّد المعنى ذاته في خلفية القصة.
لكن الخيط الأعمق هو خيط الموت والقيامة. في العهد القديم كانت هناك ومضات نادرة: إيليا يمدّد نفسه على ابن أرملة صرفة ويحيا الصبي، وأليشع يفعل المثل مع ابن الشونمية، ثم، وهي التفصيلة التي كثيرًا ما تُنسى، ميت يُلقى في قبر أليشع فيلمس عظامه فيقوم. كل هذه كانت إشارات صغيرة، إصبعًا يشير إلى أفق بعيد. وصرخ أيوب من مزبلته: "أما أنا فقد علمت أن وليي حي، والآخر على الأرض يقوم" (أيوب 19:25). ورأى حزقيال وادي العظام اليابسة وسمع الأمر: "أيتها العظام اليابسة، اسمعي كلمة الرب" (حزقيال 37:4). لاحظ التوازي: كلمة الرب تُنادي ما لا يستطيع أن يسمع، فيسمع.
هذا بالضبط ما حدث عند قبر بيت عنيا. صرخة "لعازر، هلم خارجا" هي وادي العظام اليابسة مضغوطًا في اسم واحد. غير أن الفرق هائل: أليشع كان يتوسّل إلى الله، وحزقيال كان ينقل الرسالة، أما المسيح فيأمر بسلطانه الذاتي. لا يقول "باسم الرب قم"، بل ينادي كمن يملك مفاتيح الموت والهاوية.
وهنا تتضح القمة. إقامة لعازر ليست نهاية الخيط بل آخر علامة قبل الصليب. يوحنا يبني إنجيله على سبع آيات، وهذه هي السابعة والأعظم، وهي التي أشعلت قرار القتل. بمعنى آخر: لكي يخرج لعازر من قبره، دخل المسيح قبره. الحياة التي نالها لعازر كانت مستعارة، سيردّها يومًا؛ أما الحياة التي أعطاها المسيح في فصحه فهي "ليس للموت". وكما كتب بولس لاحقًا عن المسيح إنه "بكر من الأموات"، صار لعازر أشبه بالبشارة الأولى، والمسيح هو الحصاد.
جوهر حياته
اللحظة الأولى: أن يكون محبوبًا وهو عاجز. كل ما نعرفه عن لعازر قبل موته هو أنه مريض ومحبوب. لا نعرف عنه فضيلة واحدة يُمدح بها، ولا خدمة قدّمها، ولا كلمة قالها. هذا ليس نقصًا في الرواية بل هو قلب الرواية. أختاه، مرثا العملية ومريم المتأمّلة، لهما شخصيتان واضحتان في لوقا ويوحنا؛ أما هو فصفحة بيضاء. الكتاب المقدس يقدّم لنا إنسانًا معرَّفًا بالكامل بمحبة المسيح له. وهذا هو موقع كل واحد منا أمام النعمة: لا نأتي بسجلّ إنجازات، بل بجسد مريض واسم يعرفه الرب.
اللحظة الثانية: أن يُنادى باسمه في الظلمة. في اليوم الرابع، بحسب الفهم اليهودي الشائع آنذاك، لم يعد هناك أي احتمال. مرثا قالتها بصراحة قاسية: "يا سيد، قد أنتن لأن له أربعة أيام" (يوحنا 11:39). ثم جاء الصوت. ولاحظ أن لعازر لم يفعل شيئًا ليقوم، ولم يتعاون، ولم يمدّ يدًا. الكلمة نفسها صنعت ما تطلبه. هذه صورة دقيقة لما يسميه العهد الجديد الولادة الجديدة: الميت لا يساهم في قيامته. ثم يأتي الأمر الثاني الموجَّه إلى الواقفين: "حلوه ودعوه يذهب". المسيح وحده يعطي الحياة، لكنه يُشرك كنيسته في نزع الأربطة القديمة عن الأحياء الجدد. كم من مؤمن حيّ بالمسيح وما زال يمشي بأقمطة الماضي لأن أحدًا لم يساعده على حلّها.
اللحظة الثالثة: أن يصير خطرًا لمجرد وجوده. بعد المعجزة يتغير كل شيء. اجتمع المجمع، وقال قيافا كلمته المشؤومة والنبوية معًا عن موت إنسان واحد عن الشعب، "فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه" (يوحنا 11:53). ثم نقرأ: "ثم قبل الفصح بستة أيام أتى يسوع إلى بيت عنيا، حيث كان لعازر الميت الذي أقامه من الأموات" (يوحنا 12:1). صار البيت مائدة عيد، ومريم تسكب الطيب، "وأما لعازر فكان أحد المتكئين معه" (يوحنا 12:2). ثم تأتي الجملة المذهلة: "فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر أيضا" (يوحنا 12:10)، "لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع". هل فكّرت في السخف المطلق لهذا القرار؟ يخطّطون لقتل رجل أخرجه المسيح للتو من القبر. الموت لم يعد يملك حجة ضد المسيح. ومع ذلك، صار جسد لعازر الحيّ دليلًا لا يُدحض، فقرّروا إتلاف الدليل. هذا هو أوضح ما في الكتاب عن طبيعة قساوة القلب: هي ليست نقص براهين، بل رفض إرادة.
ما نتعلمه من لعازر
أولًا: تأخير الله ليس غياب الله. الدرس الأصعب في القصة ليس المعجزة بل اليومان اللذان مكثهما المسيح حيث كان. لو جاء في اليوم الأول لكان الجميع سعداء، ولما عرف أحد أنه القيامة والحياة. قال قبل أن يمضي: "هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به" (يوحنا 11:4). كان المرض للموت فعلًا، لكن ليس نهايته الموت. هناك فرق هائل بين ما يبدو نهاية وما هو نهاية بالفعل. إذا كنت تصلي منذ سنوات ولا شيء يتحرك، فالقصة تقول لك إن الصمت السماوي قد يكون تحضيرًا لمجد أكبر من الاستجابة التي طلبتها.
ثانيًا: الله يبكي قبل أن يتدخّل. كان يمكن للمسيح أن يذهب مباشرة إلى القبر ويصرخ. لكنه توقّف، واضطرب، وبكى. هذا يحطّم الصورة الرواقية عن إله بارد يدير الكون من بعيد. اللاهوت الأرثوذكسي القويم يعلّمنا أن المسيح إله كامل وإنسان كامل، وفي دموعه عند قبر بيت عنيا نرى قلب الله تجاه كل جنازة حضرتها. إن كنت تشعر أن حزنك يزعج الله أو أنه علامة ضعف إيمانك، فانظر إلى يوحنا 11:35 مرة أخرى.
ثالثًا: أنت شهادة حتى وأنت صامت. لم يُسجَّل للعازر خطاب واحد، ومع ذلك يقول النص إن كثيرين آمنوا بسببه. لم يكن يفعل شيئًا سوى أنه كان هناك، جالسًا على المائدة، يأكل ويتنفّس، وهذا كان كافيًا ليهزّ أورشليم. لست مضطرًا أن تكون فصيحًا لتكون شاهدًا. حياة تغيّرت فعلًا هي حجة لا يستطيع أحد أن يجادلها، ولهذا يظل العالم أحيانًا يفضّل إسكات الشاهد على مواجهة الحقيقة. وفي المقابل، يذكّرنا لعازر المسكين في مثل لوقا بالوجه الآخر: هناك من يرى الشاهد كل يوم عند بابه ولا يراه. الرجل الغني كان يعرف اسمه، كما يتضح لاحقًا، لكنه لم يتحرك.
المرآة
لنكن صريحين: أنت لا تشبه المسيح في هذه القصة، ولا تشبه مرثا في إيمانها، ولا مريم عند القدمين. في أكثر أيامك، أنت لعازر. مستلقٍ في مكان لا تستطيع أن تخرج منه بإرادتك. ربما هو إدمان عرفته وحدك، أو مرارة تجاه أخ أو أب دامت عشرين سنة، أو ديون خنقتك وأنت تبتسم للزملاء، أو جسد خذلك وأنت في منتصف العمر، أو وحدة تدخل بها بيتك كل مساء فتشعل التلفاز لتسمع صوتًا بشريًا.
والأصعب من كل ذلك أن الأربطة تصير مريحة مع الوقت. الأقمطة كانت تخنق لعازر، لكنها أيضًا كانت تحدّد شكله. وكثيرون منا يخافون الحرية أكثر مما يخافون القيد، لأن القيد على الأقل معروف.
اسمع إذًا: المسيح لا يقف على باب قبرك ينتظر منك إشارة. هو ينادي باسمك. ليس بلقبك الوظيفي ولا بصورتك أمام الناس، بل بالاسم الذي تعرفه أمك، الاسم الذي تناديه به في الليل مخاوفك. وحين ينادي، لا تحتاج أن تجد في نفسك قوة؛ القوة في الصوت لا في السامع.
وسؤال أخير أثقل: إن كنت قد خرجت فعلًا، هل تساعد غيرك على حلّ أقمطته؟ في كنيستك أشخاص قاموا حديثًا ويمشون بصعوبة، مكبّلين بعارٍ قديم أو بسمعة لا يستطيعون الفكاك منها. المسيح قال لجماعة واقفة، لا لملاك: "حلوه ودعوه يذهب". هذا تكليف لك يوم الأحد القادم، وفي مجموعتك، وفي رسالة قصيرة ترسلها لشخص تعرف أنه يختنق.
مشروح للأطفال
الأطفال يفهمون قصة لعازر أسرع مما نظن، لأن فيها كل ما يشدّهم: صديق مريض، وأختان حزينتان، وحجر كبير، وصوت عالٍ، ورجل يخرج ملفوفًا كالمومياء. لكن التحدي ليس في السرد بل في ما نتركه في قلب الطفل بعد السرد.
ابدأ من العلاقة لا من المعجزة. قل لطفلك إن يسوع المسيح كان له أصدقاء، وإنه كان يحب أن يجلس في بيتهم ويأكل معهم، وإن أحدهم كان اسمه لعازر ومعنى اسمه "الله ساعدني". ثم أخبره أن لعازر مرض ومات، وأن يسوع بكى. هذه التفصيلة تحديدًا مهمة جدًا للأطفال: الله ليس غاضبًا منهم حين يحزنون، بل يحزن معهم. كثير من الصغار يخفون دموعهم لأنهم سمعوا أن "المؤمن لا يبكي"، ودموع المسيح تصحّح ذلك في ثانية.
بعد ذلك اروِ لحظة الصرخة: يسوع نادى باسمه، والميت سمع وخرج. الفكرة البسيطة التي يحملها الطفل معه هي أن صوت يسوع أقوى من الموت، وأنه يعرف اسم كل واحد منا.
انتبه إلى الأسئلة التي ستأتي، خصوصًا "وهل جدي سيقوم أيضًا؟" لا تهرب من السؤال، واربط الجواب بالرجاء: لعازر قام ليوم، والمسيح قام إلى الأبد، ومن يؤمن به يقوم معه.
ولأن لكل عمر لغته الخاصة، نوفّر على Faith.network شروحات مخصّصة لهذه القصة: نسخة مبسّطة جدًا لأطفال ما قبل المدرسة من ثلاث إلى ست سنوات، ونسخة أوسع لمرحلة الابتدائي من سبع إلى اثنتي عشرة سنة تتناول معنى الإيمان والقيامة، ونسخة للمراهقين من اثنتي عشرة سنة فما فوق تتعامل بجدية مع أسئلة الألم وتأخير الله والشكّ.
الأسئلة الشائعة
من هو لعازر في الكتاب المقدس؟
لعازر هو أخو مرثا ومريم، وكان يسكن في قرية بيت عنيا قرب أورشليم، وتصفه البداية هكذا: "وكان إنسان مريضا وهو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا أختها" (يوحنا 11:1). كان صديقًا محبوبًا ليسوع المسيح، مرض ومات، وبقي في القبر أربعة أيام قبل أن يقيمه الرب. يظهر بعد ذلك متكئًا على المائدة في يوحنا الأصحاح الثاني عشر. ولا يُذكر عنه أي كلام في الكتاب المقدس كله، وهو من أشهر الشخصيات التي لم تنطق حرفًا.
ما معنى اسم لعازر؟
لعازر هو الصيغة اليونانية المختصرة للاسم العبري أليعازر أو ألعازار، ومعناه "الله أعان" أو "الله هو عوني". وهو اسم قديم في العهد القديم، حمله خادم إبراهيم في تكوين 15:2، وحمله ألعازار بن هارون الكاهن. والمعنى يتناغم بشكل لافت مع قصته، لأن لعازر لم يستطع أن يساعد نفسه بشيء، لا في مرضه ولا في موته. كل ما حدث له كان عونًا نازلًا من فوق، وهذا في جوهره تعريف دقيق للنعمة.
هل لعازر المسكين في مثل لوقا هو نفسه لعازر أخو مرثا ومريم؟
لا، هما شخصان مختلفان. لعازر المسكين يظهر في مثل رواه المسيح: "وكان مسكين اسمه لعازر، الذي طرح عند بابه مضروبا بالقروح" (لوقا 16:20). أما لعازر بيت عنيا فشخصية تاريخية حقيقية في يوحنا الأصحاحين الحادي عشر والثاني عشر. اللافت أن مثل الغني ولعازر هو المثل الوحيد الذي يذكر فيه المسيح اسمًا لشخصية، وقد رأى كثيرون في ذلك تلميحًا مقصودًا، خصوصًا مع خاتمة المثل عن من يقوم من الأموات ولا يُصدَّق.
لماذا تأخر يسوع ولم يذهب فورًا لشفاء لعازر؟
النص يربط التأخير بالمحبة لا بالإهمال: "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر. فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين" (يوحنا 11:5-6). وقد أعلن الهدف مسبقًا في يوحنا 11:4، أن المرض لأجل مجد الله. لو شفاه مريضًا لكانت معجزة عادية؛ أما بعد أربعة أيام فقد صار الأمر إعلانًا لا يُجادل عن سلطانه على الموت. التأخير كان جزءًا من العطية، لا تأجيلًا لها.
لماذا بكى يسوع وهو يعلم أنه سيقيم لعازر بعد دقائق؟
"بكى يسوع" (يوحنا 11:35) ليست علامة يأس بل علامة تجسّد حقيقي. الرب يتألم مع من يتألمون، ويغضب على الموت بوصفه عدوًا دخيلًا على خليقة الله الصالحة. النص يقول قبلها إنه "انزعج بالروح واضطرب". معرفته بالنهاية السعيدة لم تلغِ مشاركته للحزن الحاضر. وفي هذا عزاء عملي لكل مؤمن: ليس مطلوبًا منك أن تتظاهر بأن الفقد لا يؤلم لأن هناك قيامة. المسيح نفسه بكى عند قبر كان سيفتحه.
كم مرة مات لعازر؟ وهل مات مرة ثانية؟
الكتاب المقدس لا يروي موت لعازر الثاني، لكنه يفترضه ضمنًا، لأن ما ناله كان إعادة إلى هذه الحياة الزمنية لا قيامة نهائية. خرج من القبر بالجسد نفسه القابل للمرض والشيخوخة، فمات لاحقًا بحسب الطبيعة. الفرق جوهري بينه وبين المسيح: المسيح قام بجسد ممجّد لا يموت بعد، وهو "باكورة الراقدين". لعازر كان علامة مؤقتة تشير إلى الحقيقة الدائمة، وهذا ما يجعل قيامة المسيح فريدة لا مجرد واحدة من معجزات الإقامة.
ماذا رأى لعازر خلال الأيام الأربعة في القبر؟
الكتاب المقدس صامت تمامًا في هذا الأمر، وصمته مقصود. لم يُسجَّل للعازر حرف واحد بعد خروجه، ولا وصف لما وراء الحجاب. كل ما يُنشر من روايات مفصّلة عن رؤاه ينتمي إلى الخيال أو إلى كتابات متأخرة غير قانونية. وفي المقابل، تكفينا خاتمة مثل الغني ولعازر في لوقا الأصحاح السادس عشر: "إن كانوا لا يسمعون من موسى والأنبياء، ولا إن قام واحد من الأموات يصدقون". الرجاء المسيحي يقوم على كلمة الله المكتوبة، لا على شهادات عن العالم الآخر.
لماذا أراد رؤساء الكهنة قتل لعازر؟
لأنه كان دليلًا حيًا لا يمكن دحضه: "فتشاور رؤساء الكهنة ليقتلوا لعازر أيضا، لأن كثيرين من اليهود كانوا بسببه يذهبون ويؤمنون بيسوع" (يوحنا 12:10-11). لم يكن لعازر يعظ ولا يجادل؛ وجوده وحده كان يهدم موقفهم. وهذا يكشف طبيعة عدم الإيمان: هو ليس نقصًا في الأدلة بل مقاومة إرادية للحق. من يخطّط لقتل رجل أُقيم للتو من الموت لا يواجه مشكلة عقلية، بل مشكلة قلب.
أين تقع بيت عنيا وهل ما زالت موجودة اليوم؟
بيت عنيا قرية تقع على السفح الشرقي لجبل الزيتون، على مسافة نحو خمس عشرة غلوة من أورشليم كما يذكر يوحنا، أي أقل من ثلاثة كيلومترات. وهي اليوم قرية العيزرية في الضفة الغربية، واسمها العربي مشتق من اسم لعازر نفسه. يوجد فيها موقع يُكرَّم تقليديًا باعتباره قبر لعازر، وقد بُنيت فوقه كنائس عبر القرون. المكان يذكّرنا أن الإنجيل ليس أسطورة بلا جغرافيا، بل حدث وقع في قرية لها طريق وحجارة وجيران.
ما الفرق بين إقامة لعازر وقيامة يسوع المسيح؟
الفرق في المصدر والنتيجة معًا. لعازر أُقيم بقوة غيره، وخرج مربوطًا بالأقمطة يحتاج من يحلّه، وعاد إلى حياة تنتهي بالموت. أما المسيح فقام بسلطانه الذاتي، وتُركت أكفانه موضوعة في القبر، ودخل حياة لا يسودها الموت بعد. لعازر عاد إلى العالم القديم؛ المسيح افتتح الخليقة الجديدة. ولهذا يقول الرب عن نفسه قبل المعجزة: "أنا هو القيامة والحياة" (يوحنا 11:25)، فهو لا يصنع القيامة فحسب، بل هو القيامة في شخصه.
هل قصة الغني ولعازر مثل رمزي أم حدث حقيقي؟
الأرجح أنها مثل، لأنها ترد ضمن سلسلة أمثال في لوقا الأصحاح السادس عشر موجّهة إلى الفريسيين المحبّين للمال. لكن كونها مثلًا لا يجعلها أقل جدية، فالمسيح لا يستخدم صورًا كاذبة ليعلّم حقًا. المثل يعلن بوضوح أن ما بعد الموت حقيقي، وأن الاختيارات هنا لها نتائج هناك، وأن اللامبالاة بالفقير الجالس عند بابك ليست تفصيلًا ثانويًا بل مسألة مصيرية. والنقطة الختامية هي كفاية كلمة الله للتوبة.
ماذا حدث للعازر بعد أحداث الإنجيل؟
الكتاب المقدس لا يذكر شيئًا بعد مشهد العشاء في يوحنا الأصحاح الثاني عشر، وهذا الصمت يجب أن نحترمه. أما التقليد الكنسي فيحفظ روايتين رئيسيتين: الأولى شرقية وتقول إنه انتقل إلى قبرص وصار أسقفًا على كيتيون ومات هناك، والثانية غربية تربطه بمدينة مرسيليا في جنوب فرنسا. هذه روايات تقليدية لا سلطان كتابيًا لها، وقيمتها تاريخية لا عقائدية. وتحتفل كنائس عديدة بتذكاره في سبت لعازر قبل أحد الشعانين مباشرة.
ما الدرس الروحي الأهم من قصة لعازر لحياتي اليوم؟
أن الله يعمل في المناطق التي أعلنتَ أنت أنها انتهت. مرثا قالت إن الجثة أنتنت، أي إن الأمر تجاوز حدود الرجاء، وهناك تحديدًا ارتفع الصوت. لم يُطلب من لعازر إيمان ولا جهد ولا استحقاق، بل نُودي باسمه فقط. ولهذا فإن القصة ليست دعوة لتبذل مجهودًا أكبر، بل دعوة لتصغي إلى صوت أقوى من موتك. ثم، بعد الخروج، تأتي مسؤولية الجماعة: "حلوه ودعوه يذهب" (يوحنا 11:44).
في الختام
رجل لم يقل شيئًا، ومع ذلك آمن بسببه كثيرون. هذه هي المفارقة التي تجعل لعازر مختلفًا عن معظم شخصيات الكتاب المقدس. لم يترك لنا صلاة كصلاة حنة، ولا مزمورًا كمزامير داود، ولا رسالة كرسائل بولس. ترك لنا جسده الحيّ واسمه: "الله أعان". وحين تشاور المجمع على قتله، كان ذلك أبلغ اعتراف بأن حياة منزوعة من الموت تظل أقوى حجة في العالم.
إن كنت تبحث عن مكانك في هذه القصة، فهو ليس في موقع البطل. أنت المدعوّ، لا المنقذ. والخبر السار أن الصوت الذي فتح قبر بيت عنيا هو نفسه الصوت الذي خرج من القبر الفارغ صباح الأحد، وهو يعرف اسمك.
اقرأ يوحنا الأصحاحين الحادي عشر والثاني عشر كاملين في جلسة واحدة، ببطء، وانتبه إلى تكرار كلمة "أحبّ" وكلمة "مجد". ثم اقرأ لوقا الأصحاح السادس عشر واسأل نفسك من هو لعازر الجالس عند بابك هذا الأسبوع. القصة لا تكتمل عند الحجر المدحرج، بل حين تمتد يدك لتحلّ أقمطة إنسان آخر.
