يوسف النجار في الكتاب المقدس
مقدمة
في ورشة صغيرة في الناصرة، قرية لا يزيد سكانها على بضع مئات، كان هناك رجل يقيس الخشب ويطرق المسمار ويمسح العرق عن جبينه. لا نعرف صوته. لا جملة واحدة منه محفوظة في الكتاب المقدس. لم ينطق في الأناجيل الأربعة بحرف. ومع ذلك فإن الله ائتمنه على أثمن ما في التاريخ: صبيّ هو ابن الله، وامرأة حُبل بها من الروح القدس، وسرّ لا يصدقه أحد في الجوار.
يوسف النجار خطيب مريم هو الرجل الذي وقف عند المفترق الأصعب الذي يمكن أن يقف عنده إنسان: أن يصدّق المستحيل، أو أن يحمي سمعته. وما فعله في تلك الليلة ما زال يتكلم بعد ألفي سنة.
في هذه الصفحة سنمشي معه خطوة بخطوة: من الخطوبة إلى الحلم، من بيت لحم إلى مصر، من الهيكل إلى الصمت الأخير، ونرى كيف أن حياةً بلا كلمة واحدة صارت واحدة من أوضح صور النعمة في الكتاب كله.
زاوية هذا الدليل
هناك مئات المقالات التي تلخّص "من هو يوسف". هذه الصفحة تقرأ حياته من زاويتين متشابكتين لا تكادان تُذكران: يوسف هو الرجل الذي لم يُنقل عنه حرف واحد، ومع ذلك سُجِّلت طاعته كلها بأفعال: استيقظ، أخذ، قام، انصرف، سكن. وهو أيضًا أول رجل في العهد الجديد يُدعى إلى أن يحب ابنًا ليس من صُلبه، ويعطيه اسمه وبيته ومهنته ونسبه. بهذا المعنى يوسف ليس شخصية هامشية في قصة الميلاد، بل هو الأيقونة الأولى للتبنّي: صورة مبكرة لله الذي يضع اسمه على أولاد ليسوا له بالطبيعة، بل بالنعمة.
البرّ أحيانًا يكون فعلاً لا خطبة.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن يوسف النجار؟
كل ما نعرفه عن يوسف يأتي من إصحاحين في متى وإصحاحين في لوقا، مع إشارات قليلة في مرقس ويوحنا. هذا قليل جدًا بمقاييسنا، وكافٍ جدًا بمقاييس الروح القدس.
يدخل يوسف المشهد في لوقا 1:27 حيث يُرسَل الملاك جبرائيل "الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف. واسم العذراء مريم." لاحظ الترتيب: اسم يوسف يُذكر قبل اسم مريم، ليس لأهميته الشخصية، بل لأن انتماءه إلى بيت داود هو المفتاح القانوني للقصة كلها. الوعد الذي قطعه الله لداود في 2 صموئيل 7:12 يحتاج إلى وارث شرعي من بيت داود، ويوسف هو الباب الذي يدخل منه ابن مريم إلى ذلك النسب.
ثم تأتي اللحظة التي تحدد شخصيته إلى الأبد. في متى 1:19 نقرأ: "فيوسف رجلها اذ كان بارا ولم يشأ ان يشهرها اراد تخليتها سرا." الخطوبة في اليهودية لم تكن وعدًا قابلاً للتراجع كما عندنا اليوم، بل كانت رباطًا قانونيًا ملزمًا؛ لهذا يدعوه النص "رجلها" وتُدعى هي "امرأته" قبل العرس. وفسخها يحتاج إلى طلاق رسمي. وحسب تثنية 22:23 و24 كان بإمكان يوسف أن يطالب بأقسى ما يسمح به الناموس. لكنه اختار طريقًا ثالثًا. هنا يكمن أحد أعمق تعريفات البرّ في الكتاب المقدس: الرجل البار ليس من يطبّق الحرف بأقصى صرامته، بل من يحفظ قلب الله في تطبيق الحرف. يوسف كان مستعدًا أن يحتمل هو الخسارة بدل أن يفضح امرأة ظنّها خائنة.
ثم جاء الملاك في حلم وقال له أن يأخذها لأن الحبل من الروح القدس. والاستجابة مذهلة في اختصارها، متى 1:24: "فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما امره ملاك الرب واخذ امرأته." لا نقاش، لا طلب علامة كما طلب جدعون، لا سؤال كما سأل زكريا فخرس. فعلٌ واحد مباشر. الرجل الذي لا نسمع صوته يصرخ بطاعته.
في لوقا 2:4 نراه يمشي في الطريق الطويل: "فصعد يوسف ايضا من الجليل من مدينة الناصرة الى اليهودية الى مدينة داود التي تدعى بيت لحم لكونه من بيت داود وعشيرته." مئة وخمسون كيلومترًا تقريبًا مع خطيبة حبلى، بسبب مرسوم إمبراطوري من رجل لم يسمع باسم يوسف قط. لكن الله يستخدم تعداد أوغسطس قيصر ليضع ابنه في المكان الذي تنبأ عنه ميخا النبي. طاعة يوسف البسيطة لسلطة أرضية صارت أداة لتتميم النبوّة.
وفي متى 2:13 نسمع الأمر الأخطر: "قم وخذ الصبي وامه واهرب الى مصر وكن هناك حتى اقول لك. لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه." ومرة أخرى، في الآية التالية، الفعل لا الكلام: "فقام واخذ الصبي وامه ليلا وانصرف الى مصر."
أما آخر مرة نراه فيها حيًّا فهي في الهيكل، حين ضاع الصبي يسوع ثلاثة أيام، وقالت مريم في لوقا 2:48: "يا بني لماذا فعلت بنا هكذا. هوذا ابوك وانا كنا نطلبك معذبين." هي تدعوه "أبوك". وهو يقف صامتًا بينما يجيب الصبي بأن له أبًا آخر.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
اسم "يوسف" يرنّ في أذن كل قارئ للعهد القديم. ففي سفر التكوين يوسف بن يعقوب هو الحالم الذي أنقذ عائلته من المجاعة. وليس صدفة أن يوسف الثاني هو أيضًا ابن رجل اسمه يعقوب، حسب متى 1:16، وأنه أيضًا رجل أحلام، وأنه أيضًا يأخذ العائلة إلى مصر لينقذ حياة الموعود. الفارق أن يوسف الأول ذهب إلى مصر مُباعًا بثمن، ويوسف الثاني ذهب إليها حاميًا لمن سيُباع بثلاثين من الفضة. هذا ليس تكرارًا، إنه تكرار مقصود يصنعه الله ليقول: أنا لا أبدأ من الصفر، أنا أُكمل.
الخيط الأعمق مع ذلك هو خيط النسب. نبوّة الله لداود كانت واضحة: الملك الآتي من نسله. لكن في إرميا 22:30 نقرأ حكمًا مخيفًا على كُنْيا، أحد ملوك يهوذا من نسل سليمان: "هكذا قال الرب اكتبوا هذا الرجل عقيما رجلا لا ينجح في ايامه لانه لا ينجح من نسله احد جالسا على كرسي داود وحاكما بعد في يهوذا." وسلسلة نسب يوسف في متى تمرّ بالضبط عبر هذا الملك الملعون. فكيف يكون المسيح وارثًا شرعيًا لعرش داود من دون أن يرث اللعنة؟
الجواب هو يوسف النجار بالتحديد. المسيح يأخذ الحق القانوني في العرش عبر يوسف، لأن يوسف أعطاه اسمه ودعاه ابنًا؛ لكنه لا يأخذ دم يوسف، لأنه حُبل به من الروح القدس. ولهذا يكتب لوقا 3:23 بدقة لافتة أن يسوع كان "على ما كان يظن ابن يوسف". التبنّي يفتح الباب، والميلاد العذراوي يُغلق باب اللعنة. الله يحلّ العُقد التي يظنها الناس مستحيلة.
وهكذا يصبح يوسف نفسه نبوّة حيّة عن الإنجيل. فما فعله الله بنا في المسيح هو ما فعله يوسف بيسوع: أخذنا ونحن لسنا من نسله، وكتب اسمه علينا، وأعطانا حق الميراث. بولس يسمي هذا "التبني"، ويوسف يرسمه بيديه الخشنتين قبل أن يُكتب الحرف.
ويمتد الخيط إلى المهنة ذاتها. يوسف كان نجارًا، والكلمة في الأصل تعني الصانع الذي يشتغل بالخشب والحجر معًا. علّم ابنه أن يقيس ويقطع ويجمع. والابن الذي تعلّم صنع النير صار هو القائل: "احملوا نيري عليكم". والابن الذي تعلّم نشر الخشب مات على خشبة. لم يكن يوسف يعرف ذلك وهو يناوله الأدوات، لكن الله كان يعرف.
جوهر حياته
اللحظة الأولى: ليلة القرار في الناصرة
قبل أن يأتي الحلم، كان يوسف رجلاً مجروحًا. خطيبته حُبلى، وهو يعرف أنه ليس الأب. لنكن صادقين هنا بدل أن نرسم له هالة: يوسف لم يصدّق مريم أولاً. قرار "تخليتها سرا" في متى 1:19 يعني أنه استنتج أنها أخطأت. هذا ليس عيبًا نخفيه، بل هو ما يجعل طاعته لاحقًا عظيمة. البرّ الحقيقي ليس غياب الشك، بل ما تفعله بعد أن يتكلم الله في وسط شكّك. وما يميّزه في تلك الليلة أنه، وهو واثق أنه الطرف المظلوم، لم يفكر في الانتقام بل في حماية من ظنّها أذنبت في حقه. هذه أول بشارة في الإنجيل قبل أن يولد المبشَّر به: رجل يختار الرحمة على حقّه الشرعي.
اللحظة الثانية: الهروب الليلي إلى مصر
في متى 2:13 يُطلب من يوسف أن يترك كل شيء خلال ساعات: الورشة، الزبائن، الأقارب، الوطن. أن يصير لاجئًا في أرض وثنية بلا موعد عودة محدد، فقط "حتى اقول لك". هنا نرى طبيعة الإيمان الذي طلبه الله منه: ليس إيمانًا بخطة مكتملة، بل إيمانًا بصوت. ولاحظ أنه قام ليلاً. لم ينتظر الصباح ليستشير أحدًا. كان ذلك يعني أن ينفق على رحلة لا يملك ثمنها، ولعل ذهب المجوس كان تدبير الله المسبق لتمويل الهروب. عملية الإنقاذ هذه كلفت يوسف كل ما بناه، وأنقذت حياة من سيُنقذ العالم. الرجل الذي لم يقل شيئًا دفع ثمنًا لم يسمع به أحد.
اللحظة الثالثة: التنحّي في الهيكل
الكلمات في لوقا 2:48، "هوذا ابوك وانا كنا نطلبك معذبين"، هي آخر مرة يُذكر فيها يوسف حيًّا في الكتاب المقدس. وجواب الصبي يسوع في الآية التي تليها يرسم الحدود بلطف وبوضوح: "أليس ينبغي ان اكون في ما لابي." يوسف يسمع ابنه يتكلم عن أب آخر، ولا يحتج. ثم تقول الآية 51 إن يسوع "كان خاضعا لهما"، أي أن الصبي عاد إلى البيت وأطاع. فهذه ليست قصة انتزاع سلطة، بل قصة أبٍ يفهم أنه وكيل لا مالك. وبعدها يختفي يوسف من النص تمامًا. حين يقف الناس في الناصرة ويقولون في متى 13:55 "أليس هذا ابن النجار. أليست امه تدعى مريم"، يبدو أن يوسف لم يعد حاضرًا؛ وفي مرقس 6:3 يُدعى يسوع "ابن مريم"، وهي صيغة غريبة في ثقافة تنسب الابن لأبيه، وتشير على الأرجح إلى أن يوسف كان قد مات. ولهذا على الصليب يوصي يسوع بأمه إلى التلميذ الحبيب، لا إلى زوجها.
ما نتعلمه من يوسف النجار
أن تكون بارًّا يعني أن ترحم حين يحق لك أن تعاقب
يوسف كان يملك ورقة قانونية تدين مريم، وملفًّا كاملاً من الحقوق. ومع ذلك "لم يشأ ان يشهرها". كم مرة نمسك نحن بدليل دامغ على خطأ أحدهم ونشعر أن البرّ يلزمنا بإشهاره؟ الكتاب المقدس يسمي يوسف بارًّا تحديدًا في الجملة التي يتنازل فيها عن حقه في الفضح. هذا لا يعني أن الحق لا يهم ولا أن الخطية تُسكت عنها، بل يعني أن الهدف من العدل في مملكة الله هو الشفاء لا التشهير. حين تواجه خيانة أو خذلانًا، السؤال ليس فقط "ماذا يحق لي؟" بل "ما الذي يحفظ كرامة الآخر قدر ما يسمح به الحق؟"
أن الطاعة تُقاس بالساعات لا بالمشاعر
في كل مرة تكلّم الله مع يوسف، جاء الجواب على شكل حركة فورية. "فلما استيقظ يوسف من النوم فعل كما امره ملاك الرب"، "فقام واخذ الصبي وامه ليلا". لا نقرأ عن صراع داخلي مطوّل ولا عن مفاوضات. الفارق بين من يسمع صوت الله ومن يطيعه هو عادةً المسافة الزمنية بين السماع والفعل. ومع ذلك لم تكن طاعة يوسف بلا خوف؛ متى 2:22 يقول صراحة إنه "خاف ان يذهب الى هناك" حين سمع بأرخيلاوس. الخوف لم يُلغَ، لكنه لم يصنع القرار. الله قاد رجلاً خائفًا، وهذا يكفي لتشجيع كثيرين منّا.
أن تخدم مجدًا لن يحمل اسمك
لم يسمّ أحد ديانة باسم يوسف، ولم يكتب إنجيلاً، ولم يصنع معجزة. عمله كله كان في الظل: نجر، سفر، حماية، إعالة، تعليم صبي كيف يمسك المطرقة. ثم مات قبل أن يرى معجزة واحدة من معجزات ابنه، وقبل الصليب، وقبل القيامة. يوسف هو قديس كل من يخدم في مكان لا تراه الكاميرات: الأم التي تسهر، الأب الذي يعمل وردية ثانية، المعلّم في مدرسة الأحد الذي لا يعرف ماذا سيصير بالأطفال الذين يعلّمهم. السماء تحتفظ بسجل آخر غير سجل الشهرة.
المرآة
قد تكون أنت الآن في موقع يوسف أكثر مما تظن. أمامك وضع لم تخترْه، وجرح لم تتسبب به، وعليك أن تقرر: هل أدافع عن سمعتي، أم أحتمل سوء الفهم بصمت؟
في الناصرة الصغيرة، كان الجميع يعرفون متى تمت الخطوبة ومتى وُلد الطفل. ويوسف عاش بقية عمره وهو يعرف أن بعض جيرانه يعدّون الشهور من وراء ظهره. وما زال صدى ذلك يُسمع في يوحنا 8:41 حين يقول اليهود ليسوع: "لم نولد من زنا." يوسف لم يستطع أن يشرح الحقيقة لأحد، ولم يحاول. اختار أن يخسر صورته أمام الناس ليحفظ الوعد الذي ائتمنه الله عليه.
ربما أنت في عمل يأخذ من وقتك أكثر مما يعطيك اعترافًا. ربما تربّي أولادًا سيُنسب فضلهم لغيرك. ربما تحمل سرًّا عائليًا ثقيلاً لا يحق لك أن تفشيه، وتدفع ثمن صمتك وحدك. ربما تصلّي عن أمر لن تعيش لترى جوابه، تمامًا كما مات يوسف قبل أن يرى ابنه يفتح عيون العميان.
والأصعب من ذلك: ربما طلب الله منك أن تترك شيئًا بنيته بيديك. ورشة، مدينة، خطة، أمان. "قم وخذ الصبي وامه واهرب". من دون جدول زمني، من دون ضمانات، فقط "حتى اقول لك".
اسأل نفسك بصدق: ما الذي قاله لي الله وما زلت أؤجّله إلى الصباح؟ يوسف قام ليلاً. ليس لأنه كان أقوى منا، بل لأنه صدّق أن صوت الله يحمل في داخله تدبيرًا لا نراه بعد. الطاعة في الظلام هي أنقى أشكال الإيمان.
مشروح للأطفال
الأطفال يحبون قصة الميلاد، لكنهم غالبًا يرون يوسف مجرد تمثال واقف بجانب المذود. يستحق أكثر من ذلك.
مع الصغار يمكن أن تبدأ من الورشة: رجل طيب كان يصنع الكراسي والطاولات والأبواب، ويداه كانتا مليئتين بنشارة الخشب. الله أعطاه مهمة خاصة جدًّا: أن يعتني بيسوع ويحميه. وحين جاء ملاك في الحلم وقال له أن يهرب بالطفل بسرعة، قام يوسف في الليل وأخذهما وسافر مسافة طويلة إلى بلد بعيد اسمه مصر، لأنه أحبّ يسوع وأطاع الله.
ومع الأكبر سنًّا يمكن إضافة الفكرة الأجمل: يسوع لم يولد من يوسف، لكن يوسف أعطاه اسمه وبيته ومهنته وأحبّه كابنه الحقيقي. وهذا يشبه ما فعله الله معنا تمامًا: نحن لم نولد أولادًا لله، لكنه أخذنا وسمّانا أولاده بسبب يسوع. سؤال جميل تختم به: "هل تعرف شخصًا يحبك من دون أن يكون مضطرًّا لذلك؟ هكذا بالضبط يحبّنا الله."
على فيث نتوورك نُعدّ شروحات مخصّصة لهذه القصة حسب الأعمار: نسخة بسيطة جدًّا للصغار من ثلاث إلى ست سنوات تركّز على الحماية والأمان، ونسخة للأطفال من سبع إلى اثنتي عشرة سنة تدخل في الأحلام والرحلة إلى مصر وتعليم المهنة، ونسخة للمراهقين من اثنتي عشرة سنة فما فوق تتناول الأسئلة الأصعب: الخطوبة، سوء الفهم، والشجاعة في اتخاذ قرار صحيح حين يظنّ الناس أنك مخطئ.
الأسئلة الشائعة
من هو يوسف النجار في الكتاب المقدس؟
يوسف هو رجل من الناصرة، من نسل الملك داود، كان مخطوبًا لمريم حين بشّرها الملاك بولادة يسوع. مهنته كانت النجارة أو بالأحرى الصناعة بالخشب والحجر، كما نفهم من متى 13:55 حيث يُدعى يسوع "ابن النجار". هو الأب القانوني ليسوع لا الأب البيولوجي، إذ حُبل بيسوع من الروح القدس. لا تُنقل عنه كلمة واحدة في الأناجيل، لكن أفعاله مسجَّلة بدقة: أخذ مريم، وسافر إلى بيت لحم، وهرب إلى مصر، وسكن في الناصرة، وربّى الصبي يسوع.
هل كان يوسف خطيب مريم أم زوجها؟
الاثنان معًا، بحسب الترتيب الزمني. الخطوبة اليهودية في ذلك الزمان كانت رباطًا قانونيًا ملزمًا لا يُفسخ إلا بطلاق رسمي، ولهذا يسمّي متى 1:19 يوسف "رجلها" وهما بعد في فترة الخطوبة، ويسمّي لوقا 2:5 مريم "امرأته المخطوبة". أما لوقا 1:27 فيصفها بأنها "عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف". بعد الحلم، يقول متى 1:24 إنه "اخذ امرأته"، أي أكمل الزواج وأدخلها بيته، من دون معاشرة زوجية حتى ولدت ابنها البكر.
لماذا أراد يوسف أن يترك مريم سرًّا؟
لأنه استنتج، بشكل طبيعي تمامًا، أن مريم حبلت من رجل آخر. كان الناموس يعطيه حق فضحها علنًا والمطالبة بعقوبة قاسية، لكن متى 1:19 يقول إنه "اذ كان بارا ولم يشأ ان يشهرها اراد تخليتها سرا". أي أنه اختار أن يطلّقها بورقة أمام شاهدين من دون إعلان السبب، حاملاً هو اللوم والشائعات بدلاً منها. هذا القرار يكشف أن برّه لم يكن تشددًا حرفيًا بل رحمة منضبطة بالحق، وهو ما جعله مؤهَّلاً لتلقّي الرسالة السماوية.
كم مرة ظهر الملاك ليوسف في حلم؟
أربع مرات بحسب إنجيل متى. الأولى حين أمره ألا يخاف أن يأخذ مريم امرأته لأن الحبل من الروح القدس. والثانية في متى 2:13 حين قال له: "قم وخذ الصبي وامه واهرب الى مصر". والثالثة بعد موت هيرودس، حين دعاه للعودة إلى أرض إسرائيل. والرابعة حين حذّره من الذهاب إلى اليهودية بسبب أرخيلاوس، فانصرف إلى نواحي الجليل. في كل مرة تأتي الاستجابة بصيغة فعل فوري، من دون كلمة واحدة من يوسف.
هل كان يوسف أبًا ليسوع حقًّا؟
كان أبًا حقيقيًا بكل معنى عدا المعنى البيولوجي. مريم نفسها تقول في لوقا 2:48: "هوذا ابوك وانا كنا نطلبك معذبين"، ولوقا 3:23 يقول إن يسوع كان "على ما كان يظن ابن يوسف". يوسف أعطاه الاسم بحسب أمر الملاك، وأعطاه النسب الداودي القانوني، وأعطاه البيت والمهنة والحماية والتربية. هذه الأبوّة بالتبنّي ليست أقل واقعية من الأبوّة بالدم؛ بل هي صورة مسبقة لما يفعله الله معنا حين يدعونا أولاده بالنعمة لا بالطبيعة.
لماذا لا توجد أي كلمة منطوقة ليوسف في الأناجيل؟
الأناجيل لا تشرح السبب، لكن النتيجة لافتة لاهوتيًّا. في مقابل الصمت التام، تسجَّل أفعاله بوضوح شديد: استيقظ، أخذ، قام، انصرف، سكن، صعد. يبدو أن الروح القدس أراد أن يرسم لنا صورة إيمان لا يُقاس بالخطاب بل بالاستجابة. وهناك بُعد آخر: الأناجيل تركّز على المتكلم الحقيقي في البيت، أي يسوع الكلمة. يوسف يتوارى حتى يبقى الضوء كله على ابنه، وهذا في حد ذاته درس كامل في الخدمة.
متى مات يوسف النجار وأين اختفى من القصة؟
الكتاب المقدس لا يذكر موته ولا تاريخه. آخر ظهور له هو حادثة الهيكل حين كان يسوع ابن اثنتي عشرة سنة في لوقا الإصحاح الثاني. بعدها يختفي تمامًا، فلا يُذكر في عرس قانا ولا في خدمة يسوع ولا عند الصليب. وحين يتكلم أهل الناصرة في مرقس 6:3 يدعون يسوع "ابن مريم"، وهي تسمية غير معتادة تشير على الأرجح إلى أن الأب كان قد مات. وحقيقة أن يسوع أوصى بأمه إلى التلميذ الحبيب من على الصليب تدعم القناعة بأن يوسف كان قد رقد قبل ذلك.
هل أنجب يوسف ومريم أولادًا آخرين بعد يسوع؟
متى 13:55 يذكر إخوة يسوع بالاسم: "اخوته يعقوب ويوسي وسمعان ويهوذا"، ومرقس 6:3 يضيف ذكر أخواته. وتقول متى 1:25 إن يوسف "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر"، وهو تعبير يفهمه كثيرون من المسيحيين الإنجيليين على أنه يشير إلى حياة زوجية طبيعية بعد الميلاد. وهناك تقليد كنسي قديم يرى أن هؤلاء كانوا أبناء يوسف من زواج سابق أو أبناء عمومة. ما يتفق عليه الجميع هو أن ميلاد يسوع نفسه كان من عذراء بعمل الروح القدس.
لماذا تختلف سلسلة نسب يوسف في متى عنها في لوقا؟
متى يتتبّع النسب من داود عبر سليمان وملوك يهوذا، بينما لوقا يمرّ عبر ناثان ابن داود الآخر. التفسير الأقدم هو أن متى يقدّم الخط القانوني للعرش الذي ورثه يوسف، بينما لوقا يقدّم خط النسب الطبيعي، أو ربما نسب مريم المنسوب إلى يوسف بوصفه صهر هالي. على كل حال، الهدف واحد في الإنجيلين: إثبات أن يسوع هو الوارث الشرعي لوعد الله لداود، وأن ذلك الحق انتقل إليه عبر يوسف تحديدًا.
هل كان يوسف رجلاً عجوزًا حين خطب مريم؟
فكرة أن يوسف كان شيخًا أرمل تأتي من كتابات غير قانونية متأخرة مثل إنجيل يعقوب المنحول، لا من الكتاب المقدس. العهد الجديد لا يقول شيئًا عن عمره. ما نعرفه أنه كان قادرًا على السفر الطويل إلى بيت لحم ثم الهرب إلى مصر والعمل بمهنة شاقة، وهو ما يناسب رجلاً في ريعان قوته. والأرجح أنه كان شابًا بحسب عادات الخطوبة في ذلك الزمان. من الحكمة أن نبني فهمنا على ما يقوله النص، لا على ما تضيفه التقاليد اللاحقة.
ما الفرق بين يوسف النجار ويوسف ابن يعقوب في سفر التكوين؟
هما شخصان مختلفان تفصل بينهما قرون طويلة، لكن التشابه بينهما مقصود في تدبير الله. كلاهما ابن لرجل اسمه يعقوب، وكلاهما قاده الله بالأحلام، وكلاهما نزل إلى مصر، وكلاهما حفظ حياة من بهم تتعلق خلاص شعب الله. يوسف الأول أُنزل إلى مصر مبيعًا فصار مخلّص إخوته من الجوع، ويوسف الثاني نزل إلى مصر حاميًا للطفل الذي سيخلّص شعبه من خطاياهم. الله يكتب قصته بتناغم يشبه اللحن المتكرر.
هل من الصواب أن نصلّي إلى يوسف أو نطلب شفاعته؟
الكتاب المقدس يوجّه صلواتنا إلى الله الآب باسم يسوع المسيح، ويعلن في 1 تيموثاوس 2:5 أن هناك وسيطًا واحدًا بين الله والناس هو الإنسان يسوع المسيح. لذلك نحن لا نصلّي إلى يوسف ولا نطلب شفاعته، لكننا نكرمه كما نكرم كل من سار في الإيمان: نشكر الله على طاعته، ونتعلّم من مثاله، ونقتدي بسرعة استجابته. الإكرام الحقيقي ليوسف هو أن نفعل ما فعله، أي أن نسمع صوت الله ونقوم من فورنا.
لماذا سمّى يوسف الطفل "يسوع" ولم يختر اسمًا آخر؟
لأن الملاك أعطاه الاسم مع تفسيره: "فستلد ابنا وتدعو اسمه يسوع. لانه يخلّص شعبه من خطاياهم". وفي الثقافة اليهودية كان تسمية الابن حقًّا أبويًّا، فحين دعا يوسف الطفل يسوع كان بذلك يعلن علنًا أنه يتبنّاه ويضمّه إلى بيت داود. فعل التسمية هذا هو الذي أعطى المسيح مكانه القانوني في النسب الملكي. بكلمة واحدة لم يسجّلها الإنجيل نطقًا، فتح يوسف الباب الذي دخل منه ابن الله إلى عرش أبيه داود.
في الختام
يوسف النجار خطيب مريم لم يترك لنا جملة واحدة نقتبسها، لكنه ترك لنا شيئًا أندر: سلسلة من القرارات النظيفة اتُّخذت في الظلام من دون جمهور. رحم حين كان يحق له أن يفضح. صدّق حين كان كل منطق يدعوه للانسحاب. قام ليلاً وترك بيته حين لم يُعطَ سوى وعد بأن الله سيتكلم لاحقًا. وعلّم صبيًّا كيف يمسك المطرقة، من دون أن يعرف أن يدَي ذلك الصبي ستُثقبان على خشبة يومًا ما.
وفي كل هذا كان يرسم الإنجيل قبل أن يُكرز به: رجل يأخذ ابنًا ليس من نسله، يعطيه اسمه، ويضمّه إلى ميراثه. هذا بالضبط ما فعله الله بك في المسيح.
إن أردت أن تمضي أبعد، اقرأ متى الإصحاحين الأول والثاني ولوقا الإصحاحين الأول والثاني في جلسة واحدة، وضع إصبعك على كل فعل منسوب إلى يوسف، ثم اسأل نفسك سؤالاً واحدًا: ما الفعل الذي ينتظره الله مني اليوم، والذي لا يحتاج إلى كلام بل إلى قيام؟
