سفر المزامير
مقدمة
تخيّل رجلاً هارباً في البرية، يجلس عند فم مغارة والغبار يعلو ثيابه، يحمل عوداً بيده المرتجفة ويصرخ إلى السماء: "إلى متى يا رب تنساني كل النسيان؟". ثم تخيّل الرجل ذاته، بعد سنوات، يقف في قصره وقد وضع التاج على رأسه، فيرفع صوته بنفس العود: "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء". هذا هو داود، وهذه هي المزامير، كتاب واحد يحتوي على كل مقامات القلب البشري: من قاع اليأس إلى قمة التسبيح.
سفر المزامير ليس مجموعة صلوات مرتّبة ترتيباً أنيقاً، بل هو مذكّرات روحية لشعب بأكمله، ولكل قلب يمرّ بما مرّ به هذا الشعب. في هذه الصفحة ستكتشف من كتب المزامير، ومتى، وكيف بُني هذا السفر العظيم، ولماذا صار يسوع المسيح يتلو منه وهو معلّق على الصليب. وستخرج، بإذن الرب، وأنت تعرف كيف تصلّي المزامير بدل أن تقرأها فقط.
زاوية هذا الدليل
معظم ما يُكتب عن سفر المزامير يعامله كأنه ديوان شعر ديني جميل، أو ككتاب لتعزية المكتئبين. لكنّ زاوية هذا الدليل مختلفة: المزامير ليست انعكاساً لمشاعرنا، بل مدرسة تُعيد تشكيل مشاعرنا. حين نصلّيها، فهي لا تعبّر عمّا في داخلنا فحسب، بل تعلّمنا ما ينبغي أن يكون في داخلنا. المزامير تدرّب القلب المسيحي على أن يبكي كما يجب، ويفرح كما يجب، ويثق كما يجب، ويغضب كما يجب. سنقرأ السفر إذاً بوصفه صالة تدريب للنفس، لا مجرد مرآة لها، وسنرى كيف أن المسيح نفسه هو المعلّم الأعظم في هذه المدرسة، إذ صلّى مزاميرها من داخل جسده البشري.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن سفر المزامير؟
سفر المزامير هو أطول أسفار الكتاب المقدس، مؤلّف من مئة وخمسين مزموراً، وهو في قلب العهد القديم كما القلب في الجسد. الكلمة العبرية للمزامير هي "تِهِلّيم" وتعني "التسابيح"، مع أن كثيراً من المزامير في الحقيقة ليست تسابيح بل مراثٍ وصرخات وتوسّلات. هذا التوتّر بين الاسم والمحتوى هو أول درس يعلّمنا إياه السفر: أن التسبيح الحقيقي يمرّ أحياناً عبر الدموع، لا حولها.
يفتتح السفر ببيان مذهل عن الرجل الذي يحيا مع كلمة الله: "طُوبَى لِلرَّجُلِ الَّذِي لَمْ يَسْلُكْ فِي مَشُورَةِ الأَشْرَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْخُطَاةِ لَمْ يَقِفْ، وَفِي مَجْلِسِ الْمُسْتَهْزِئِينَ لَمْ يَجْلِسْ" (مزامير 1:1). هذه الآية الافتتاحية ليست مصادفة؛ إنها عتبة الدخول إلى السفر كله. المزامير تخاطب من قرّر أن يفارق مشورة الأشرار ويلجأ إلى شريعة الرب. من هنا فقط تُفهم بقية الصلوات.
ثم يأتي المزمور الثالث والعشرون، وهو أشهر مزامير الأرض، ليعطينا صورة الله التي تحكم السفر كله: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مزامير 23:1). لاحظ أن داود لا يقول "الرب راعٍ" بصيغة عامة، بل "راعيّ" بصيغة الملكية الشخصية. هذا هو جوهر لاهوت المزامير: الله ليس فكرة، بل هو "إلهي" و"صخرتي" و"تُرسي".
المزامير علاقة، لا لاهوت مجرد.
وحين يسقط الإنسان في الخطية، تعلّمه المزامير كيف يتوب. في المزمور الحادي والخمسين، بعد سقطته المرعبة مع بثشبع، يصرخ داود: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي" (مزامير 51:10). الفعل "اخلق" هنا هو نفس الفعل المستخدم في سفر التكوين حين خلق الله السماوات والأرض. داود لا يطلب ترميماً، بل خلقاً جديداً. هذه الآية وحدها تكشف عمق فهم المزامير للخطية: هي ليست خللاً يحتاج إصلاحاً، بل موت يحتاج قيامة.
ثم تعلّمنا المزامير أين نختبئ حين تعصف بنا الحياة: "اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ، فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ" (مزامير 91:1). ملجأنا ليس مكاناً، بل شخص. وتعلّمنا كيف نسير في الظلام: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مزامير 119:105). لاحظ أن الكلمة سراج للرجل، لا كشّاف يضيء الأفق كله؛ الله يعطينا نور الخطوة التالية فقط، لأنه يريدنا أن نسير بإيمان لا بعيان. وأخيراً يُختم السفر بأمر واحد يخصّ كل كائن حي: "كُلُّ نَسَمَةٍ فَلْتُسَبِّحِ الرَّبَّ. هَلِّلُويَا" (مزامير 150:6).
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
المزامير لم تُكتب في زمن واحد ولا بيد واحدة. أقدمها مزمور موسى (المزمور التسعون) الذي يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد تقريباً، وأحدثها كُتب بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد. أي أن السفر امتدّ عبر نحو ألف سنة من تاريخ شعب الله. داود كتب ثلاثة وسبعين مزموراً بحسب العناوين، وآساف اثني عشر، وبنو قورح أحد عشر، وسليمان مزمورين، وموسى واحداً، والباقي مجهول الكاتب. لكنّ الروح القدس هو المؤلّف الحقيقي وراء كل هذه الأقلام.
هذا الخيط الطويل من الصلاة يعبر العهد القديم كله. يصلّي الشعب المزامير في الهيكل الأول أيام سليمان، ثم في المنفى على أنهار بابل حين قالوا: "على أنهار بابل هناك جلسنا. بكينا أيضاً عندما تذكرنا صهيون". ويعودون بها إلى أورشليم، ويرتّلها اللاويون في الهيكل الثاني. المزامير كانت "كتاب الصلاة" الرسمي لشعب إسرائيل.
ثم يأتي يسوع المسيح. وهنا يحدث الأمر المذهل. المسيح لم يقتبس من سفر في العهد القديم بقدر ما اقتبس من المزامير. حين دخل أورشليم مظفّراً هتفوا له بكلمات المزمور المئة والثامن عشر: "مبارك الآتي باسم الرب". وحين طرد الباعة من الهيكل استشهد بالمزمور التاسع والستين. وعلى الصليب، وهو يحتضر، صرخ بأول آية من المزمور الثاني والعشرين: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟". وآخر كلماته كانت من المزمور الحادي والثلاثين: "في يدك أستودع روحي".
بل إن العهد الجديد يعلن مراراً أن كثيراً من المزامير هي في الأصل نبوّات عن المسيح. المزمور الثاني عن الابن الذي وُلد من الله، والمزمور السادس عشر عن الذي لا تُترك نفسه في الهاوية، والمزمور الثاني والعشرون عن المصلوب الذي اقتسموا ثيابه، والمزمور المئة والعاشر عن الكاهن على رتبة ملكيصادق. داود كان يظنّ أنه يكتب عن نفسه أحياناً، لكن الروح القدس كان يكتب عبره عن ابن داود الأعظم.
في الكنيسة الأولى، صارت المزامير جزءاً أصيلاً من العبادة. يقول الرسول بولس لأهل كولوسي: "معلّمين ومنذرين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغاني روحية". وحتى اليوم، بعد ألفَي سنة، لا تزال المزامير تُتلى في كل كنيسة على وجه الأرض. هي مدرسة الصلاة التي علّمها الآب لأولاده، ثم علّمها الابن لتلاميذه، ثم علّمنا إياها الروح القدس في الكنيسة.
البنية والمواضيع الرئيسية
سفر المزامير ليس مجموعة عشوائية من الصلوات، بل هو بناء منظّم بعناية. يقسّمه اليهود القدماء إلى خمسة أسفار، على غرار أسفار موسى الخمسة، وكأن المزامير هي "التوراة الثانية"، توراة الاستجابة القلبية لتوراة الوصية.
السفر الأول يمتدّ من المزمور الأول إلى الحادي والأربعين، ومعظمه لداود، ويغلب عليه الطابع الشخصي: صرخات فرد يواجه أعداءه ويلجأ إلى إلهه. السفر الثاني من الثاني والأربعين إلى الثاني والسبعين، ويُختم بصلاة سليمان، وفيه ينتقل التركيز من الفرد إلى الأمة. السفر الثالث من الثالث والسبعين إلى التاسع والثمانين، وهو أظلم الأسفار الخمسة، إذ يعالج أزمة السبي وانهيار مملكة داود، ويُختم بصرخة مريرة: "أين مراحمك الأُوَل يا رب التي حلفت بها لداود بأمانتك؟". السفر الرابع من التسعين إلى المئة والسادس، ويقدّم الجواب: الرب هو الملك، حتى حين يبدو أن كل الملوك الأرضيين قد سقطوا. والسفر الخامس من المئة والسابع إلى المئة والخمسين، ويصعد بنا من العودة من السبي إلى قمة التسبيح، حيث تُختم المزامير بخمسة "هللويات" متوالية.
هذا البناء ليس اعتباطياً. المزامير تسير برحلة القلب من الشكوى إلى التسبيح، ومن اليأس إلى الرجاء، ومن السقوط إلى القيامة. وهذا بحدّ ذاته درس روحي: لا يصل الإنسان إلى الهللويا إلا مروراً بالوادي.
أما مواضيعها الرئيسية فهي عدّة. أولاً، مزامير التسبيح، وفيها يمجَّد الله على من هو وعلى ما فعل، كالمزمور الثالث والثلاثين والمئة والخمسين. ثانياً، مزامير الرثاء أو الشكوى، وهي الأكثر عدداً في السفر، وفيها يصرخ المصلّي إلى الله من عمق الألم، كالمزمور الثالث عشر والثاني والعشرين. ثالثاً، مزامير الشكر، وفيها يشكر المصلّي الله على خلاص محدّد نال منه، كالمزمور الثلاثين. رابعاً، المزامير الملوكية، وتتحدّث عن الملك في أورشليم وعن الملك المسيّاني الآتي، كالمزمور الثاني والمئة والعاشر. خامساً، مزامير الحكمة، وتشبه أسلوب سفر الأمثال، كالمزمور الأول والثالث والسبعين. سادساً، مزامير الصعود، وهي خمسة عشر مزموراً كان الحجّاج يرتّلونها وهم صاعدون إلى أورشليم في الأعياد، من المئة والعشرين إلى المئة والرابع والثلاثين.
كما يجب أن نذكر ما يُعرف بـ"المزامير اللعنية"، وهي مزامير قاسية يطلب فيها المصلّي دينونة الله على أعدائه. كثيرون يرتبكون منها، لكنها تعلّمنا أن الإيمان لا يخاف من إخراج الغضب أمام الله بدل أن يوجّهه إلى الناس. وهنا تظهر زاوية هذا الدليل مجدداً: المزامير لا تعكس مشاعرنا الفجّة، بل تعلّمنا كيف نضعها في يد الله.
آيات محورية من هذا السفر
من بين الآيات الست الأنكر التي وردت في هذا الدليل، ثلاث تستحق تأمّلاً أعمق لأنها تختصر روح السفر كله.
الأولى هي مزامير 23:1: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ". هذه الآية مذهلة لأن داود نفسه كان راعياً قبل أن يصير ملكاً. هو يعرف من الداخل ما يعنيه أن ترعى قطيعاً: السهر، والبحث عن الشاردة، والدفاع عن الحمل الضعيف، وإيجاد الماء في البرية. حين يقول "الرب راعيّ"، هو لا يستعمل استعارة شعرية، بل يشهد بأنه اختبر عناية الله بنفس التفاصيل التي كان هو يعتني بها بغنمه. والنتيجة المنطقية هي "فلا يعوزني شيء"، ليس لأن كل رغباتي ستُلبّى، بل لأن راعياً كهذا لن يترك حاجة حقيقية في حياتي دون سدّ.
الثانية هي مزامير 51:10: "قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ، وَرُوحًا مُسْتَقِيمًا جَدِّدْ فِي دَاخِلِي". هذه الصلاة خرجت من فم رجل ارتكب الزنى ثم القتل ليخفي الزنى. كان بإمكانه أن يبرّر نفسه، أو أن ييأس. لكنه فعل شيئاً أعظم: طلب من الله أن يخلقه من جديد. الكلمة "اخلق" في العبرية (بارا) لا تُستخدم في العهد القديم إلا عن الله، ولا تصف إلا الخلق من العدم. داود يعترف: أنا لا أحتاج إلى إصلاح، أنا أحتاج إلى خلق جديد. هذه هي الآية التي يقتبس منها بولس حين يقول "إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة". المزامير تفتح الباب، والإنجيل يدخل منه.
الثالثة هي مزامير 119:105: "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلاَمُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي". المزمور المئة والتاسع عشر هو أطول أصحاح في الكتاب المقدس، ومئة وستة وسبعون آية كلها في تمجيد كلمة الله. لاحظ الصورة: سراج للرجل، ونور للسبيل. السراج القديم كان زيتياً صغيراً، يضيء بضعة أقدام أمامك فقط. الله لا يعطيك خارطة الحياة كلها، بل يعطيك ضوءاً كافياً للخطوة التالية. من يريد نور المستقبل كله سيعثر في الحاضر؛ من يقتنع بسراج الرجل سيصل إلى نهاية السبيل.
المرآة
توقّف الآن. متى صلّيت آخر مرة صلاة كانت فيها صادقاً كل الصدق؟ ليس صلاة "أشكرك يا رب على كل شيء" الروتينية، بل صلاة قلت فيها لله ما تشعر به فعلاً، حتى لو كان غضباً أو خيبة أو ملالاً؟
المشكلة أن كثيراً منّا تعلّم أن يصلّي "بأدب"، فصار يخفي نصف قلبه عن الله. نبتسم في الاجتماعات، ونرفع صوتنا بالترانيم، وفي داخلنا عاصفة لا نجرؤ على البوح بها. لكن المزامير جاءت لتحرّرك من هذا النفاق الروحي. داود صرخ: "إلى متى يا رب تنساني كل النسيان؟". آساف اعترف: "زلّت قدماي كأن لا شيء". هيمان قال: "صرت مطروحاً بين الأموات". هؤلاء رجال الله، وهذه صلواتهم.
إن كنت تعمل في وظيفة تكرهها ولا تجد من يفهم ضغطك، صلِّ مزموراً. إن كنت في زواج بارد وقد جفّت الكلمات بينك وبين شريكك، صلِّ مزموراً. إن كنت أباً أو أماً وترى ابنك يبتعد عن الرب وقلبك يتمزّق، صلِّ مزموراً. إن كنت وحيداً في غربة، والليل يطول، والهاتف لا يرنّ، صلِّ مزموراً. إن كنت مريضاً وجسدك يخذلك، صلِّ مزموراً.
المزامير لا تطلب منك أن تتظاهر.
لكن انتبه: المزامير لن تتركك حيث أنت. هي تبدأ من حيث أنت، لكنها تأخذك إلى حيث يجب أن تكون. تبدأ بـ"إلى متى؟" وتنتهي بـ"أما أنا فعلى رحمتك توكّلت". تبدأ بالدموع وتنتهي بـ"هللويا". هذا هو التدريب. هذه هي المدرسة. هل ستدخلها؟
مشروح للأطفال
المزامير هي أغانٍ وصلوات كتبها ناس أحبّوا الله كثيراً. أشهرهم رجل اسمه داود، كان صغيراً يرعى الغنم، ثم صار ملكاً كبيراً. داود كتب أغاني كثيرة لله: أغاني حين كان فرحاً، وأغاني حين كان خائفاً، وأغاني حين كان يبكي، وأغاني حين كان يرقص. الجميل أن الله وضع كل هذه الأغاني في الكتاب المقدس، ليعلّمنا أنه يحبّ أن نكلّمه في كل حالاتنا، حتى حين نكون حزينين أو غاضبين. أشهر مزمور هو المزمور الثالث والعشرون الذي يقول "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء"، وهذا يعني أن الله يعتني بنا مثلما يعتني الراعي بخرافه الصغيرة.
نحن في فيث نتورك أعددنا شروحات خاصة لسفر المزامير بحسب عمر طفلك. للأطفال في سن الحضانة (من ثلاث إلى ست سنوات) يوجد شرح مبسّط جداً مع صور وأمثلة قريبة من عالمهم. لأطفال المرحلة الابتدائية (من سبع إلى اثنتي عشرة سنة) يوجد شرح أعمق يتضمّن قصص كتابة المزامير ومغزاها. وللمراهقين (من اثنتي عشرة سنة وما فوق) يوجد شرح يعالج تساؤلاتهم الحقيقية: كيف أصلّي حين أشعر بالوحدة؟ ماذا أفعل حين أغضب من الله؟ نشجّعك أن تختار الشرح المناسب لعمر طفلك وتقرأه معه، لأن أفضل هدية تعطيها لأولادك هي أن تعلّمهم كيف يصلّون.
الأسئلة الشائعة
من كتب سفر المزامير؟
لم يكتب سفر المزامير شخص واحد بل مجموعة من الكتّاب على مدى نحو ألف سنة. داود كتب النصيب الأكبر، ثلاثة وسبعين مزموراً بحسب العناوين. وكتب آساف اثني عشر، وبنو قورح أحد عشر، وسليمان اثنين، وموسى واحداً (المزمور التسعون)، وهيمان وإيثان مزموراً لكل منهما. أما بقية المزامير فمجهولة الكاتب. الروح القدس هو المؤلّف الحقيقي وراء كل هذه الأقلام، كما يعلّمنا العهد الجديد حين يقول إن داود تكلّم بالروح القدس.
كم عدد المزامير في سفر المزامير؟
يحتوي سفر المزامير على مئة وخمسين مزموراً، وهذا هو العدد المعتمد في التقليد العبري والمسيحي معاً. الترجمة السبعينية اليونانية تحتوي على مزمور إضافي (رقم مئة وواحد وخمسين) لكنه لا يُعدّ قانونياً في التقليد البروتستانتي واليهودي. المزامير مقسّمة إلى خمسة أسفار داخلية، على غرار أسفار موسى الخمسة، ويُختم كل سفر منها بتسبحة ختامية. أطول مزمور هو المزمور المئة والتاسع عشر (مئة وست وسبعون آية) وأقصرها المزمور المئة والسابع عشر (آيتان فقط).
لماذا يوجد مزامير غاضبة تطلب من الله أن يدين الأعداء؟
هذه تُسمّى "المزامير اللعنية"، وهي تعلّمنا أمراً ثميناً: أن الإيمان لا يكبت الغضب بل يوجّهه إلى الله. بدلاً من أن ينتقم المؤمن بيده، يسلّم الأمر للديّان العادل. هذه المزامير ليست نموذجاً للانتقام الشخصي بل للثقة بأن الله سيقيم العدل. وهي أيضاً تعبّر عن كره حقيقي للشرّ، وهو كره يجب أن يكون فينا. في العهد الجديد، يعلّمنا المسيح أن نحبّ أعداءنا، لكنه لا يلغي رغبتنا في أن ينتصر الحق ويُقام العدل.
ما هو أشهر مزمور في الكتاب المقدس؟
بلا منازع، المزمور الثالث والعشرون هو الأشهر، ويبدأ بعبارة "الرب راعيّ فلا يعوزني شيء". يُتلى هذا المزمور في الأفراح والأتراح، عند المرض وعند الموت، في المعمودية وفي الجنازات. سبب شهرته أنه يختصر لاهوت المزامير كله في ست آيات فقط: الله راعٍ شخصي، يقودنا ويعزّينا ويحضّر لنا مائدة أمام أعدائنا، ويسكب على رأسنا الرحمة، حتى نسكن في بيته إلى الأبد. كثيرون يحفظونه غيباً منذ الطفولة، وكثيرون يجدون فيه العزاء ساعة العبور.
هل صلّى يسوع المسيح المزامير؟
نعم، والدليل واضح في الأناجيل. يسوع نشأ في بيت يهودي تقيّ حيث كانت المزامير تُتلى يومياً، وفي المجمع كل سبت. اقتبس المزامير مراراً في تعاليمه ومواجهاته. الأهم أنه، وهو معلّق على الصليب، صلّى بكلمات المزامير: المزمور الثاني والعشرين ("إلهي إلهي لماذا تركتني") والمزمور الحادي والثلاثين ("في يدك أستودع روحي"). حتى في لحظات ألمه القصوى، كانت المزامير هي لغة صلاته. هذا يعني أن المزامير هي كتاب صلاة المسيح، وبالتالي هي كتاب صلاة كل من يتبعه.
ما الفرق بين المزامير والصلاة العادية؟
الصلاة العادية تنطلق من قلبنا وتعبّر عمّا نشعر به. أما المزامير فهي صلاة موحى بها من الله، تعلّمنا كيف نصلّي وماذا نصلّي. حين تصلّي مزموراً، أنت لا تعبّر عن نفسك فقط، بل تسمح لكلمة الله بأن تشكّل مشاعرك وأفكارك. المزامير توسّع دائرة صلاتنا: تعلّمنا أن نصلّي حين نفرح وحين نحزن، حين نندم وحين نحتفل، حين نخاف وحين نثق. الصلاة الشخصية والمزامير ليستا متعارضتين، بل مكمّلتان لبعضهما البعض.
كيف أبدأ في قراءة سفر المزامير؟
ابدأ بمزمور واحد يومياً، وقُله بصوت مسموع لا في صمت فقط، لأن المزامير كُتبت لتُقال وتُرتّل. تستطيع أن تبدأ من المزمور الأول وتتقدّم بالترتيب، أو أن تختار خمسة مزامير في اليوم لتنهي السفر في شهر. لا تحاول أن تفهم كل شيء دفعة واحدة، بل عش المزمور. صلِّ المزامير التي تناسب حالك: مزمور شكر حين تفرح، ومزمور رثاء حين تحزن. مع الوقت ستجد أن المزامير صارت تصلّي فيك بدل أن تصلّيها أنت.
ما معنى كلمة "سلاه" التي تتكرر في المزامير؟
كلمة "سلاه" تظهر أكثر من سبعين مرة في المزامير، ومعناها غير مؤكّد تماماً. أكثر التفسيرات قبولاً هو أنها إشارة موسيقية تعني "توقّف" أو "ارفع الصوت" أو "تأمّل". كانت المزامير تُنشد في الهيكل مع الآلات الموسيقية، و"سلاه" ربما كانت تدلّ على استراحة موسيقية أو تغيير في اللحن. روحياً، صارت الكلمة تُفهم على أنها دعوة إلى التوقّف والتأمّل في ما قيل قبلها. حين تراها في مزمورك، توقّف فعلاً، وتنفّس، وتأمّل قبل أن تكمل.
هل المزامير كلها تنبّأت عن يسوع المسيح؟
ليست كلها، لكن العديد منها نعم. المزامير المسيّانية الرئيسية هي الثاني (الابن المولود من الله)، والسادس عشر (الذي لا تُترك نفسه في الهاوية)، والثاني والعشرون (المصلوب الذي يقتسمون ثيابه)، والأربعون (الآتي ليصنع مشيئة الآب)، والتاسع والستون (الغيور على بيت الرب)، والمئة والعاشر (الكاهن على رتبة ملكيصادق)، والمئة والثامن عشر (الحجر الذي رفضه البنّاؤون). المسيح نفسه قال لتلاميذه بعد قيامته إنه ينبغي أن يتمّ كل ما كُتب عنه في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. المزامير كتاب يشير إلى المسيح.
ما هي مزامير الصعود؟
مزامير الصعود هي خمسة عشر مزموراً متتالياً، من المئة والعشرين إلى المئة والرابع والثلاثين، وعنوان كل منها "ترنيمة المصاعد". كان الحجّاج اليهود يرتّلونها وهم صاعدون إلى أورشليم في الأعياد الثلاثة الكبرى: الفصح والخمسين والمظالّ. أورشليم مبنية على جبل، فالصعود إليها كان حرفياً وروحياً في آنٍ معاً. هذه المزامير قصيرة، مركّزة، تعبّر عن شوق القلب للقاء الله في هيكله. من أشهرها المزمور المئة والحادي والعشرين ("أرفع عينيّ إلى الجبال") والمزمور المئة والثالث والعشرون والمئة والثالث والثلاثون ("هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معاً").
ما علاقة المزامير بالعبادة في الكنيسة اليوم؟
المزامير كانت وستبقى قلب العبادة المسيحية. الكنيسة الأولى صلّت المزامير، والآباء الرهبان في القرن الرابع كانوا يحفظون السفر كله عن ظهر قلب، ومارتن لوثر قال إن سفر المزامير هو "كتاب الصلاة الصغير للكنيسة". الكثير من الترانيم المسيحية الحديثة مأخوذة من المزامير مباشرة أو مستوحاة منها. حين نغنّي في الكنيسة، نحن نمارس ما مارسه شعب الله منذ ثلاثة آلاف سنة. تعليم الأطفال المزامير من الصغر يعطيهم لغة روحية تلازمهم مدى الحياة.
كيف أفهم المزامير التي تتحدّث عن الأعداء وأنا ليس لي أعداء؟
كلنا لنا أعداء، وإن لم يكونوا بشراً. الرسول بولس يذكّرنا أن مصارعتنا ليست ضد لحم ودم، بل ضد الرؤساء والسلاطين وأرواح الشرّ. حين تصلّي مزموراً عن الأعداء، فكّر في الخطية التي تحاصرك، والتجارب التي تسقطك، والأفكار التي تعذّبك، والعالم الذي يريد أن يشكّلك. هذه هي أعداؤك الحقيقيون. كما أن المسيح هو الذي صلّى هذه المزامير أولاً وقد كان له أعداء حقيقيون، فحين نصلّيها نحن، نصلّي معه ومن خلاله.
في الختام
سفر المزامير ليس كتاباً تقرأه، بل مدرسة تلتحق بها. هو لا يعكس ما في قلبك فقط، بل يعيد تشكيل هذا القلب على مدى سنوات. من يصلّي المزامير باستمرار يجد نفسه، بعد سنة أو سنتين أو عشر، إنساناً مختلفاً: أعمق في حزنه، أصدق في فرحه، أشجع في صرخته، أهدأ في ثقته. المزامير تدرّب النفس المسيحية كما تدرّب الرياضة الجسد.
أدعوك أن تتّخذ قراراً اليوم: خذ سفر المزامير، وابدأ تقرأ مزموراً واحداً كل صباح ومزموراً كل مساء. لا تعامله كواجب ديني، بل كصلاة حيّة. قله بصوت مسموع. توقّف عند "سلاه". تأمّل. اجعله يصلّي فيك. وتذكّر دائماً أن يسوع المسيح صلّى هذه الكلمات نفسها قبلك، وأن الروح القدس يصلّيها فيك اليوم، وأن الآب يستمع إليها كأنه لم يسمعها قبلاً. من يدخل مدرسة المزامير لن يخرج منها كما دخل. ولعلّ هذا هو أعظم ما يمكن أن يُقال عن أي كتاب: أنه يغيّرك.
