المزامير 23
النص
يفتتح داود مزموره بإعلانٍ جريء: "الرب راعيَّ فلا يعوزني شيء." ثم يرسم لوحةً من مشاهد الرعاية: مراعٍ خُضر، مياه راحة، سُبل بِرّ، وادي ظلّ الموت، مائدة أمام المضايقين، رأس مسحه الزيت، وكأس مفعمة. ويُختم كل هذا بسكنى دائمة في بيت الرب.
الجوهر
الجملة الأولى ليست شعرًا رعويًا لطيفًا؛ إنها إعلان لاهوتي عن هوية الله وهوية الإنسان معًا. حين يقول داود "الرب راعيَّ"، فهو يستخدم صورةً كانت في الشرق القديم تخصّ الملوك: فرعون، وملوك بابل، وحتى ملوك إسرائيل يُدعَون رعاةً لشعوبهم. فأن يكون الرب نفسه راعيَّ يعني أن الله لا يفوّض العناية إلى وسيطٍ بشري؛ بل ينزل هو بذاته إلى مستوى الاهتمام اليومي بخروفٍ واحد. هنا يلتقي جلال الله بلطفه. الملك الكوني هو أيضًا الراعي الشخصي. و"فلا يعوزني شيء" ليست ادعاءً بالوفرة المادية، بل ثقةً بأن مَن يملكني يعرف ما يكفيني.
الخيط الجامع
هذا المزمور يمتدّ كخيطٍ عبر الكتاب المقدس كله. في حزقيال 34 يوبّخ الله الرعاة الكذبة ويعِد قائلًا: "أنا أرعى غنمي." ثم يأتي يسوع في يوحنا 10 ويقول صراحةً: "أنا هو الراعي الصالح." ما ادّعاه داود عن الرب، يدّعيه يسوع عن نفسه، وهذا ليس تعدّيًا بل كشفًا: الراعي الذي أنشد له داود هو المسيح المتجسّد. لكن المسيح يضيف بُعدًا لم يكن داود يراه بوضوح: "الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف." المائدة الممدودة أمام المضايقين تجد صداها في العشاء الأخير، حيث مدّ المسيح مائدةً وسط أعدائه، والكأس الريّا تصير كأس العهد الجديد بدمه.
المرآة
"لا يعوزني شيء" جملة تكشف كم نحن فقراء في الثقة. نحن نعيش في اقتصادٍ يُقنعنا يوميًا بأننا ناقصون: أجرٌ أكبر، بيتٌ أوسع، جسدٌ أليق، أطفالٌ أنجح. المزمور لا يقول إن هذه الأشياء لا قيمة لها، بل يسأل: مَن راعيك فعلًا؟ مَن تسمع صوته حين تحسب حساباتك ليلًا؟ ثم هناك "وادي ظلّ الموت"، وهو ليس فقط لحظة الاحتضار؛ إنه غرفة الانتظار في المستشفى، ورسالة الطلاق، ونتيجة الفحص، والمكالمة في الثالثة صباحًا. المزمور لا يَعِد بتجنّب الوادي، بل بحضورٍ داخله. الفرق بين المؤمن وغيره ليس غياب الظلال، بل هوية الذي يمشي إلى جواره.
السؤال
إن كان الرب راعيَّ فعلًا، فلماذا يمرّ المؤمنون في وديانٍ حقيقية من الألم؟ لماذا يجوع أطفال المؤمنين في بعض البلدان، ويُقتل المسيحيون في أخرى؟ المزمور لا يهرب من هذا السؤال، لكنه يعيد صياغته. لاحِظ أن داود لا يقول "لن أدخل الوادي"، بل "إذا سِرتُ فيه." الوادي مفترض، لا مُلغى. ولاحظ أن العصا والعُكّاز يُعزّيان، وهما أداتا الراعي: العُكّاز لإرشاد الخروف، والعصا لضرب الوحوش. أي أن التعزية لا تأتي من غياب الخطر، بل من تسلّط الراعي على الخطر. هذا لا يحلّ لغز الألم، لكنه يُغيّر موقعنا منه: لسنا وحدنا فيه، ولسنا خارج سلطان الله حين نمرّ به.
الشخصية المحورية
الشخصية المركزية ليست داود، بل الرب. وهو يُوصَف بأفعالٍ لا بصفاتٍ مجردة: يُربض، يُورد، يَرُدّ، يهدي، يُرتّب، يمسح. لاهوت هذا المزمور فعليٌّ لا نظري. الله هنا ليس مبدأً كونيًا بعيدًا، بل فاعلًا ينحني إلى التفاصيل: يختار المرعى، ويقود إلى الماء الهادئ (لأن الخراف تخاف المياه المضطربة)، ويمسح الرأس بالزيت (وهو ما كان الراعي يفعله لطرد الطفيليات وشفاء الجروح). لاحِظ أيضًا التحوّل في الضمائر: يبدأ داود بالحديث عن الله ("يُربضني، يوردني")، ثم في وادي ظلّ الموت يتحوّل إلى الحديث مع الله ("لأنك أنت معي"). القُرب من الخطر يُقرّب من الراعي. الألم يُحوّل اللاهوت إلى صلاة.
النص الموازي
اقرأ هذا المزمور مع إشعياء 40: "كراعٍ يرعى قطيعه. بذراعه يجمع الحملان وفي حضنه يحملها." وضعه بجوار رؤيا 7: "لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية." هذا التوازي مذهل: الخروف صار الراعي. المذبوح صار القائد. والمزمور 23 الذي بدأ بمرعًى في أرضٍ يهودية، ينتهي في رؤيا يوحنا بمرعًى أبدي عند عرش الله. جملة داود الأخيرة، "وأسكن في بيت الرب إلى مدى الأيام"، ليست أمنيةً شعرية، بل نبوءةً تتحقق حين يُقال: "هوذا مسكن الله مع الناس."
للتأمل
في أيّ منطقةٍ من حياتي أعيش عمليًا كأن راعيَّ شخصٌ آخر، أو شيءٌ آخر، غير الرب؟
لو صدّقتُ فعلًا أن الله يُرتّب مائدةً أمامي "تجاه مضايقيَّ"، كيف سيتغيّر تعاملي مع الشخص الذي يُضايقني هذا الأسبوع؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.
ما يشاركه المجتمع حول Psalms 23
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
When I read Psalm 23 with the loss of my father still fresh in my memory, verse 4 struck me most of all: even though I walk through the valley of the shadow of death, I will fear no evil, for You are with me. It was not a band-aid but a hand on my shoulder.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
