إرميا 48
النص
أطول نبوءة على أمة أجنبية في سفر إرميا، سبعة وأربعون آية عن موآب الجارة الشرقية: مدن تُسمّى بالاسم، نبو وقريتايم وحشبون وديبون، وكلها تسقط. الفخر ينكسر، كموش الإله يذهب إلى السبي، الكروم تُداس بلا هتاف، والرجال الجبابرة يصير قلبهم «كَقَلْبِ ٱمْرَأَةٍ مَاخِضٍ». وفي الآية الأخيرة، بعد كل هذا الخراب، جملة واحدة تقلب المشهد: «وَلَكِنَّنِي أَرُدُّ سَبْيَ مُوآبَ فِي آخِرِ ٱلْأَيَّامِ».
الجوهر
الصورة التي تحمل الأصحاح كله موجودة في الآية 11: «مُسْتَرِيحٌ مُوآبُ مُنْذُ صِبَاهُ، وَهُوَ مُسْتَقِرٌّ عَلَى دُرْدِيِّهِ، وَلَمْ يُفْرَغْ مِنْ إِنَاءٍ إِلَى إِنَاءٍ». الكلمة العبرية هنا (شَأَنان) تعني الطمأنينة المترفة، الراحة التي لم تُزعزَع قط. صانع الخمر يعرف أن الخمر إن بقيت على رسوبها فترة طويلة فسدت؛ لا بد من نقلها من إناء إلى إناء حتى تصفو. موآب لم تُنقل قط. لم تُسبَ، لم تُهزّ، لم تُفرَّغ. والنتيجة ليست نضجًا بل ركودًا: «بَقِيَ طَعْمُهُ فِيهِ، وَرَائِحَتُهُ لَمْ تَتَغَيَّرْ». هذا هو التشخيص الإلهي للكبرياء: ليست أساسًا صراخًا متعاليًا، بل هدوءًا لم يُمتحن أبدًا.
الخيط الممتد
موآب ليست أمة غريبة عن قصة الخلاص. من موآب جاءت راعوث، التي صارت جدّة داود، وبذلك دخل دم موآبي في نسب المسيح. فحين يقول الرب في الآية 47 إنه سيردّ سبي موآب «فِي آخِرِ ٱلْأَيَّامِ»، فهذا ليس استثناءً عاطفيًا في نهاية خطاب قاسٍ، بل هو منطق الله نفسه: الدينونة ليست آخر كلمة حتى على الأمم التي تعاظمت عليه. وهناك خيط آخر أدق: في الآية 31 يقول الرب «أُوَلْوِلُ عَلَى مُوآبَ»، وفي الآية 36 «يُصَوِّتُ قَلْبِي لِمُوآبَ كَنَايٍ». الديّان ينوح على المحكوم عليه. هذا الصوت نسمعه مرة أخرى حين وقف يسوع أمام أورشليم وبكى عليها قبل أن ينطق بخرابها. الله لا يدين من بعيد.
المرآة
اسأل نفسك بصدق: ما الذي يجعلك تنام مطمئنًا؟ الآية 7 تضع إصبعها على الجرح: «مِنْ أَجْلِ ٱتِّكَالِكِ عَلَى أَعْمَالِكِ وَعَلَى خَزَائِنِكِ». ليس الإلحاد هو ما يُدين موآب، بل الاتكال المزدوج: الإنجاز والمدّخر. الراتب الذي يغطي كل احتمال. السمعة التي بنيتها في عشرين سنة من العمل الجاد. البيت المدفوع ثمنه. الأولاد الذين «تربّوا صح». لا شيء من هذا شرير. الشرّ هو أن يصير أساسًا. ولاحظ أن موآب لم تكن كاذبة في ادّعائها القوة، كانت فعلًا محصّنة؛ لذلك كان السؤال «كَيْفَ تَقُولُونَ نَحْنُ جَبَابِرَةٌ وَرِجَالُ قُوَّةٍ لِلْحَرْبِ؟» صادمًا إلى هذا الحد.
وهناك ما هو أقسى: الآية 27 تكشف أن موآب كانت تهزأ بإسرائيل المنكوب، «كُلَّمَا كُنْتَ تَتَكَلَّمُ بِهِ كُنْتَ تَنْغَضُ ٱلرَّأْسَ». هزّة الرأس تلك نعرفها. حين يفشل زميل في العمل كنت تنافسه، حين ينهار زواج أحدهم وأنت تعلّق بصوت متديّن: «كانت نهايته متوقعة». تلك الهزّة هي الدليل الأوضح على أنك ما زلت مستقرًا على دُردِيّك.
اليوم، قبل أن ينتهي النهار: اكتب على ورقة صغيرة اسم الشيء الواحد الذي لو زال عنك فجأة لانهار إحساسك بالأمان، ثم قل بصوت مسموع، وأنت تنظر إلى الورقة: «هذا ليس إلهي»، واحفظ الورقة حيث تراها غدًا.
السؤال
تبقى الآية 10 عالقة في الحلق: «مَلْعُونٌ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ ٱلرَّبِّ بِرِخَاءٍ، وَمَلْعُونٌ مَنْ يَمْنَعُ سَيْفَهُ عَنِ ٱلدَّمِ». لعنة على من لا يقتل بما يكفي؟ لا سبيل إلى تلطيف هذا. ما نستطيع قوله: المتكلّم هنا هو الرب وهو يخاطب أداة دينونته، البابليين، لا يعطي المؤمنين مبدأً للتعامل مع جيرانهم؛ والنص نفسه يرفض أن يتحول إلى حماسة دموية، لأن المتكلم عينه ينوح بعد عشرين آية. لكن يبقى أن الكتاب لا يقدّم لنا إلهًا لطيفًا على الدوام، بل إلهًا يُدخل السيف في التاريخ. من يريد إلهًا بلا هذه الحافة يريد إلهًا من صنعه هو، وهذا بالضبط ما فعلته موآب بكموش.
الملامح
السامعون الأوّلون كانوا يهوديين يرون بابل تقترب من أبوابهم. موآب كانت الجارة التي سخرت منهم، التي شمتت حين سقطت السامرة، التي كانت أراضيها أخصب وكرومها أشهر. سماع هذه النبوءة كان في البداية بلسمًا: أخيرًا، العدالة. لكن إرميا يضع فخًا لسامعيه. فكل ما قيل عن موآب قاله هو نفسه عن أورشليم في الأصحاحات السابقة: الاتكال على الحصون، الكبرياء، الإناء المحطَّم. والآية 13 تصرّح: «كَمَا خَجِلَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ مِنْ بَيْتِ إِيلَ مُتَّكَلِهِمْ». الشماتة تموت في الحلق. المرآة التي رُفعت أمام موآب تعكس وجه السامع.
الشخصية المحورية
الشخصية الحقيقية هنا ليست موآب بل الرب، و«رَبُّ ٱلْجُنُودِ» اسم يتكرر كمطرقة. لكن المدهش في بورتريه الله في هذا الأصحاح هو الازدواج الذي لا يُحلّ: هو الذي يقول «قَدْ حَطَمْتُ مُوآبَ كَإِنَاءٍ لَا مَسَرَّةَ بِهِ»، وهو الذي يقول «أَبْكِي عَلَيْكِ بُكَاءَ يَعْزِيرَ، يَا جَفْنَةَ سَبْمَةَ». يحطّم وينوح. لا شيء في النص يوحي بأن النوح تمثيل، ولا بأن الدينونة تردّد. هذا إله يعرف تمامًا ما يكلّفه برّه، ويدفعه. وفي الجملة الأخيرة، حين يَعِد بردّ سبي أمة عبدت كموش وهزأت بشعبه، نلمح من أين سيأتي لاحقًا ذاك الذي حمل في جسده الدينونة والنوح معًا.
للتأمل
في أي منطقة من حياتك لم تُنقل قط «من إناء إلى إناء»، أي لم تُزعزَع ولم تُمتحن، وماذا تظن أن طعمها صار عليه؟
متى كانت آخر مرة هززت رأسك على سقوط أحدهم، ولو في داخلك فقط؟ ماذا كشفت لك تلك الهزّة عن نفسك؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 48
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 48؟
عمّ يتحدث إرميا 48؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 48؟
ماذا يعلّمنا إرميا 48 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 48 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 48
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
صرخة واحدة تنتقل من حشبون إلى ألعالة إلى ياهص، كأن الوجع يركض من مدينة إلى مدينة. والأقسى أن "مياه نمريم أيضا تصير خربة"، فحتى الينبوع الذي كان يروي موآب جفّ. ما نظنه مضموناً لنا، أرضنا وأمننا ومصدر رزقنا، قد ييبس في يوم. ومع ذلك يقول الله بعد قليل: "قلبي يرن لموآب كناي". هو يدين، وقلبه يئن. فهل تسمع أنينه عليك قبل أن تلومه؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
