رومية 4:5
النص
بولس يضع أمامنا صورتين متقابلتين: العامل الذي يأخذ أجرته، والمؤمن الذي لا يملك شيئًا ليقدّمه. الأول يستلم ما له، «لَا تُحْسَبُ لَهُ ٱلْأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ»، أي أن الله مدينٌ له بالدفع. ثم تأتي الآية الخامسة وتقلب المنطق كلّه: «وَأَمَّا ٱلَّذِي لَا يَعْمَلُ، وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِٱلَّذِي يُبَرِّرُ ٱلْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا». لاحظ ما لم يقله بولس: لم يقل إن الله يبرّر التائب، ولا الساعي، ولا الصادق في نيّته. قال: يبرّر الفاجر. والذي ينال هذا التبرير موصوف بأنه «لَا يَعْمَلُ»، أي يأتي بيدين فارغتين تمامًا، ولا يحمل في يده سوى ثقته بمن يفعل هذا.
الجوهر
الفعل الذي يتكرّر في هذا الأصحاح كلّه، «يُحْسَب»، مأخوذ من لغة الحسابات والدفاتر؛ إنه قيدٌ يُسجَّل في عمود الدائن. والمذهل أن الله يسجّل في عمود الإنسان برًّا لم يصنعه هذا الإنسان قط. هنا يقف جوهر الإنجيل عاريًا بلا تزيين: الله لا يعترف بإنسانٍ صار صالحًا، بل يعلن بارًّا إنسانًا ليس بارًّا. هذا ليس تغاضيًا ولا تساهلًا قضائيًا، لأن بولس سيختم الأصحاح بالسبب: المسيح «أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا وَأُقِيمَ لِأَجْلِ تَبْرِيرِنَا». فالحساب مدفوع، لكن ليس منك. ولهذا فالإيمان هنا ليس عملًا صغيرًا نقدّمه بديلًا عن الأعمال الكبيرة؛ الإيمان هو اليد الفارغة المفتوحة، وقيمته ليست فيه بل فيمن يتمسّك به. أنت لا تُقبل لأن إيمانك قويّ، بل لأن الذي تؤمن به أمين.
الخيط الناظم
انظر أين وضع بولس هذه الجملة: في منتصف حديثه عن إبراهيم. وهذا مقصود. إبراهيم حين قيل عنه «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِٱللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا» لم يكن قد ختن نفسه بعد، ولم تكن هناك شريعة، ولا هيكل، ولا ذبيحة يقدّمها. كان رجلًا من أور، خرج من بيت أصنام، بلا سجلّ حسن يفاخر به. فإذا كان أبو المؤمنين نفسه دخل من هذا الباب الضيّق، باب اليد الفارغة، فلا يوجد باب آخر لأحد. الخيط يمتدّ من خيمة في كنعان إلى صليب خارج أورشليم: الله يتعامل مع البشر دائمًا على أساس وعدٍ يعطيه هو، لا على أساس إنجازٍ ننتزعه نحن. والقيامة هي الختم الأخير على هذا: «أُقِيمَ لِأَجْلِ تَبْرِيرِنَا».
المرآة
اسأل نفسك بصدق: في أي يومٍ تشعر أن الله راضٍ عنك؟ إن كان الجواب «في اليوم الذي صلّيت فيه باكرًا، وضبطت لساني مع أولادي، وتبرّعت، ولم أفتح ما لا يجوز على هاتفي»، فأنت تعيش على نظام الأجرة لا على نظام النعمة. وستكتشف أن هذا النظام قاسٍ: يجعل أيامك الجيدة متكبّرة وأيامك السيئة يائسة، ويجعلك تقيس إخوتك بالمسطرة نفسها فتزدريهم سرًّا. الأشدّ إيلامًا أن كلمة «ٱلْفَاجِر» تخصّك أنت، لا جارك. ما دمت تحتاج إلى أن تكون أفضل قليلًا قبل أن تقترب، فأنت ترفض العطية وتطلب راتبًا. والحرّية هنا مدهشة: أنت مقبولٌ اليوم، في أسوأ أيامك، لأن المسيح أُسلم من أجل خطاياك.
اليوم: اكتب على ورقة صغيرة ثلاثة أشياء تظنّ في قرارة نفسك أنها تجعل الله يقبلك (خدمتك، نقاوتك، انضباطك)، ثم اشطبها بخطّ واحد، واكتب تحتها بصوتٍ مسموع وأنت تكتب: «ٱلَّذِي يُبَرِّرُ ٱلْفَاجِرَ».
السؤال
لكن أليس هذا خطيرًا؟ الشريعة نفسها تمقت القاضي الذي يبرّئ المذنب؛ سفر الأمثال يسمّي ذلك رجسًا أمام الرب. فكيف يفعل الله ما حرّمه على قضاته؟ بولس لا يهرب من السؤال، لكنه لا يحلّه حلًّا سهلًا أيضًا. جوابه ليس أن الخطية صارت صغيرة، بل أن الحساب دُفع في مكان آخر: «أُسْلِمَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا». ومع ذلك يبقى شيء لا نستطيع أن نحصره في معادلة: كيف يُنقَل برٌّ ليس لي ويُحسَب لي حقًّا؟ هذه ليست حيلة قانونية، بل عملٌ إلهي يتجاوز قدرتنا على الشرح، تمامًا كما أن الله «يُحْيِي ٱلْمَوْتَى، وَيَدْعُو ٱلْأَشْيَاءَ غَيْرَ ٱلْمَوْجُودَةِ كَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ». التبرير من فصيلة القيامة، لا من فصيلة المحاسبة البشرية.
الملامح
سامعو هذه الرسالة في رومية كانوا خليطًا: يهودٌ ورثوا الختان وقرونًا من الأمانة للشريعة، وأمميّون جاءوا من عبادة الأوثان. ولفظة «الأجرة» لم تكن مجرّد استعارة لاهوتية عندهم؛ كانوا يرون كل صباح عمّال المياومة يقفون في الساحة ينتظرون من يستأجرهم، ويعرفون أن الأجرة حقٌّ مطالَبٌ به لا هدية. وكان المجتمع كلّه مبنيًّا على شبكة المعروف المتبادل: تأخذ فتصير مدينًا. فجاء بولس وقال لهم إن الله خارج هذه الشبكة تمامًا، لا يمكن استئجاره ولا إلزامه. لليهودي المتديّن كان هذا إهانة لتاريخه، وللأمميّ كان هذا الباب الوحيد المفتوح. وفي الحالتين: لا أحد يبقى له «فَخْرٌ… لَدَى ٱللهِ».
النصوص المتقاطعة
بولس لا يكتفي بإبراهيم، بل يستدعي داود، الملك الذي زنى وقتل، ليشهد من الجهة الأخرى: «طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ». إبراهيم يُظهر البرّ المحسوب بلا أعمال، وداود يُظهر الخطية غير المحسوبة. شاهدان، واحد من بداية القصة وواحد من قلب المملكة، ومعًا يسدّان كل مهرب. ولاحظ التوازي في دفتر الله: يُسجَّل برٌّ لم تصنعه، ولا تُسجَّل خطيةٌ صنعتها. ثم يربط بولس الخيط بنا مباشرة حين يقول إن ما كُتب عن إبراهيم كُتب «مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضًا». هذه ليست قصة قديمة عن رجل مبارك؛ إنها قيدٌ مفتوح باسمك.
للتأمل
في أي لحظة من هذا الأسبوع تصرّفت كأن الله مدينٌ لي بشيء، وماذا كشف ذلك عن فهمي للنعمة؟
لو صدّقت فعلًا أن الله «يُبَرِّرُ ٱلْفَاجِرَ»، من هو الشخص الذي سأتوقّف عن إدانته سرًّا؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Romans 4:5
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى رومية 4:5؟
عمّ يتحدث رومية 4:5؟
ما هو السياق التاريخي لـ رومية 4:5؟
ماذا يعلّمنا رومية 4:5 عن صفات الله؟
كيف لا يزال رومية 4:5 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Romans 4
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أشكرك يا أبي لأنك لم تترك إبراهيم يرتاب في وعدك، بل قوّيته بالإيمان فأعطاك مجدًا. أشكرك لأن وعودك لي ثابتة مثلها، وحين يطول الانتظار أنت تسندني وتزيد إيماني قوة، فلا تذهب ثقتي بك باطلة.
يا أبي، أنت لم تنظر إلى قوة إبراهيم بل إلى ثقته بك، فحسبتها له برًا. أنا أيضًا آتي إليك بيدين فارغتين، لا أحمل إنجازًا بل ثقة صغيرة بأنك تفي بما وعدت. اسندني حين يضعف إيماني، واحسب لي هذه الثقة كما حسبتها له.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة