نشيد الأنشاد 1
النص
تفتتح الفتاة الحديث بلهفة لا تنتظر مقدمات: "لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلَاتِ فَمِهِ". ثم تصف نفسها لبنات أورشليم بأنها سوداء اللون من شمس الكروم، لكنها جميلة، وتبحث عن حبيبها الراعي بين القطعان. يتبادلان المديح، هو يشبّهها بفرس فرعون المزيّن، وهي تراه صرّة مرّ تبيت بين ثدييها، وينتهي الفصل بهما على فراش أخضر تحت سقف من الأرز.
الجوهر
هذا النشيد لا يخجل من الجسد ولا من الشوق. وهذا في حد ذاته لاهوت. الله الذي خلق الإنسان ذكراً وأنثى لم يضع الرغبة الزوجية في هامش الحياة الروحية، بل جعلها صورة حيّة لما يعنيه أن يُحَبّ الإنسان ويُحِبّ. القلب هنا ليس فكرة عن الحب، بل حبيبة تجري وتبحث وتفتخر وتعترف بلونها. ما يقوله النص عن الله هو هذا: أنه ليس محرجاً من الشغف الذي زرعه فينا، وأن الطهارة في الكتاب المقدس ليست برودة، بل شوق موجَّه إلى مكانه الصحيح. من يقرأ النشيد بخجل يقرأه ضد نيّته.
الخيط الجامع
الكنيسة الأولى، ومن قبلها المجمع اليهودي، لم تقرأ هذا النشيد كقصيدة معزولة. رأت فيه صدى للعهد: الرب عريس، وشعبه عروس. الأنبياء استخدموا اللغة نفسها، هوشع تزوج امرأة، وحزقيال وصف أورشليم كفتاة وجدها الله في دمها. بولس في رسالته إلى أهل أفسس يقول إن سرّ الزواج عظيم، وهو يتكلم عن المسيح والكنيسة. لا نحوّل النشيد قسراً إلى رمزية، فالنص يعني ما يقوله عن رجل وامرأة. لكن أن يختار الله هذه اللغة بالذات ليصف علاقته بشعبه، يعني أن الشوق الذي في الفصل الأول ليس بعيداً عن الشوق الذي يجمعنا بالمسيح.
المرآة
انظر إلى الآية السادسة: "لَا تَنْظُرْنَ إِلَيَّ لِكَوْنِي سَوْدَاءَ… بَنُو أُمِّي غَضِبُوا عَلَيَّ. جَعَلُونِي نَاطُورَةَ ٱلْكُرُومِ. أَمَّا كَرْمِي فَلَمْ أَنْطُرْهُ". هذه جملة توجع. فتاة أُجبرت على العمل تحت الشمس فأهملت نفسها، ومع ذلك تقف أمام بنات أورشليم وتقول: أنا جميلة. كم منّا يقف هكذا؟ نحن أيضاً كروم لم ننطرها، منشغلون بكروم الآخرين، بمشاريع العائلة، بتوقعات الكنيسة، بعمل يستهلك النهار كله. والجسد يشيخ، والقلب يجفّ، ونتساءل لماذا لم نعد نشعر بشيء. النشيد يواجهك: هل تعتني بما ائتمنك الله عليه، بجسدك، بزواجك، بروحك، أم أنك ناطور كروم الجميع إلا كرمك؟
السياق
نحن في القرن العاشر قبل الميلاد على الأرجح، في بلاط يذكر سليمان وفرعون وقيدار وعين جدي. أسماء تشمّ منها البخور والغبار. قيدار قبائل بدوية خيامها من شعر الماعز الأسود، وعين جدي واحة خضراء على البحر الميت تُزرع فيها الكروم والحنّاء. الفتاة قروية، بشرتها لوّحتها الشمس، وإخوتها الذكور تصرفوا كأولياء أمر بعد غياب الأب، وأوكلوا إليها حراسة الكروم. أما الحبيب فراعٍ يرعى قطعانه عند الظهيرة. اللغة تتأرجح بين عالم الرعاة وعالم الملك، وهذا التأرجح مقصود: الحب يرفع الراعي إلى مقام ملكي، ويُنزل الملك إلى بساطة الحقول.
البروفايل
السامع الأول كان يعرف رائحة النارد والمرّ، ويعرف أن فرس فرعون لا يشبَّه بها إلا شيء ثمين نادر، فمركبات فرعون كانت تُجرّ بالذكور، وفرس أنثى بينها تُشعل فوضى، وهذا هو المدح: أنتِ تخلبين الانتباه. كان يعرف أن الفتاة السمراء ليست مثالاً للجمال في المدينة، حيث البشرة الفاتحة علامة الطبقة العليا التي لا تعمل في الحقل. فحين تقول "أَنَا سَوْدَاءُ وَجَمِيلَةٌ"، هذه مواجهة اجتماعية، لا مجرد وصف. كان يعرف أيضاً أن بنات أورشليم يمثلن الرأي العام، الأعين التي تحكم. النشيد إذن ليس همساً بين اثنين فقط، بل شهادة علنية تتحدى نظرة المدينة.
السؤال
يبقى السؤال المزعج: لماذا كتاب كامل في الكتاب المقدس عن رغبة جسدية بين رجل وامرأة، دون ذكر لاسم الله ولا للشريعة ولا للصلاة؟ إغراء التفسير أن نهرب فوراً إلى الرمز، فنقول إن العريس هو المسيح والعروس هي النفس، ونتخلص من الإحراج. لكن النص يقاوم هذا الهروب. الله الذي أوحى بالنشيد أراد أن يبقى فيه لحم ودم وعرق ومسك. ربما الجواب هو أن الحياة مع الله ليست في مكان آخر غير الحياة، بل داخلها. أن الجسد والزواج والشوق ليست شؤوناً دنيوية على المسيحي أن يتسامى عنها، بل مساحات مقدسة يسكنها الله بصمت. لن نحلّ هذا التوتر تماماً في هذا الفصل، وربما هذا جزء من التعليم: أن نتعلم قراءة القداسة حيث لم نتوقعها.
للتأمل
ما هو الكرم الذي لم أنطره لأنني منشغل بحراسة كروم الآخرين، وما الثمن الذي دفعته حتى الآن؟
إذا كان الله لا يخجل من لغة الشوق في هذا النشيد، فأين أخجل أنا من شوقي إليه، أو من شوقي في علاقاتي، وأتظاهر ببرودة روحية ليست منه؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Song of Solomon 1
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى نشيد الأنشاد 1؟
عمّ يتحدث نشيد الأنشاد 1؟
ما هو السياق التاريخي لـ نشيد الأنشاد 1؟
ماذا يعلّمنا نشيد الأنشاد 1 عن صفات الله؟
كيف لا يزال نشيد الأنشاد 1 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Song of Solomon 1
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
ما أجمل خديك بسموط وعنقك بقلائد" (نشيد الأنشاد ١٠:١).
قبل سطور قليلة كانت هي التي قالت: "أنا سوداء... لا تنظرن إليّ". رأت في نفسها ما أحرقته الشمس، وهو رأى في وجهها جمالاً يستحق أن يوصف. ثم لم يكتفِ، بل وعد أن يصنع لها سلاسل ذهب.
هكذا يعاملك: لا ينكر تعبك، لكنه يرى فيك ما لا تراه، ويزيدك حسناً بحبه.
ما دام الملك في متكئه أفاح نارديني رائحته."
الطيب كان معها قبل أن يجلس، لكنه بقي مغلقاً. حضوره وحده هو الذي فتح القارورة.
هناك أشياء فيك لا تخرج إلا في حضرته. رقة، صبر، محبة تظنها ميتة. لا تسأل: من أين آتي بها؟ بل اجلس معه، وسيفوح ما لم تكن تعرف أنك تحمله.
وانتبه: الرائحة كانت له، لا للناظرين.
أشكرك لأن اسمك "دهن مهراق"، رائحة تسبق كل كلامي وتشفي ما في داخلي. شكرًا أنك سكبت نفسك حتى انتشر عطرك في حياتي، فصار قلبي لا يقدر إلا أن يحبك. أشكرك أنك جذبتني بهذا العطر ولم تتركني بعيدًا.
إن لم تعرفي أيتها الجميلة بين النساء، فاخرجي على آثار الغنم، وارعي جداءك عند مساكن الرعاة."
يا لهذا الجواب اللطيف. هي كانت تسأل: أين يرعى حبيبي؟ لأنها لا تريد أن تتوه. وهو لا يوبخها على جهلها، بل يناديها "أيتها الجميلة بين النساء"، ثم يعطيها الطريق: اتبعي آثار الغنم.
حين تحتارين أين يسير المسيح اليوم، انظري إلى خطوات الذين سبقوكِ في محبته. هناك تجدينه.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
