أفسس 3:13
النص
رجلٌ مكبَّلٌ في بيتٍ مستأجَر يكتب إلى كنائسَ لم يرَ أكثرَ أهلها وجهًا لوجه، ويقول لهم: لا تنهاروا. هذا هو جوهر الآية: «لِذَلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لَا تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لِأَجْلِكُمُ ٱلَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ». بولس لا يطلب شفقةً ولا يشكو من القيد؛ بل يطلب شيئًا غريبًا: أن يثبت قلبُ السامعين وهم يرون رسولهم مهانًا. ثم يقلب الصورة رأسًا على عقب ويقول إن هذه الضيقات ليست عارًا يلحق بهم، بل هي «مَجْدُكُمْ». الكلمة اليونانية المترجمة «تَكِلُّوا» (إنكاكين) تعني أن تفقد عزيمتك وتتراخى يداك في منتصف الطريق. هذا ما يخافه بولس عليهم: لا الاضطهاد، بل الخذلان الداخلي.
الجوهر
في عالم أفسس، كان السجن وصمةً اجتماعية لا تُمحى. السجين رجلٌ خسر دعواه أمام الإمبراطورية، ومعلِّمٌ مسجون يعني إلهًا عاجزًا. لذلك كان المنطق البديهي لأهل أفسس: إن كان رسولنا في القيد، فربما كان إنجيلنا باطلًا. وهنا يضرب بولس في صميم هذا المنطق. هو لم يقل في الآية الأولى من الأصحاح إنه أسير نيرون، بل «أَسِيرُ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَجْلِكُمْ». القيد الحديدي حقيقي، لكن اليد التي تمسك بالسلسلة ليست يد قيصر. والله الذي أعلن سرّه بأن تصير الأمم «شُرَكَاءُ فِي ٱلْمِيرَاثِ»، دفع ثمن هذا الإعلان في جسد رسوله. المجد هنا ليس تعويضًا لاحقًا عن الألم، بل هو الألم نفسه مقروءًا بعينٍ أخرى: دليلٌ ملموس على أن الباب فُتح لهم فعلًا، وأن أحدًا دفع أجرة فتحه.
الخيط الجامع
ما يفعله بولس هنا ليس ابتكارًا شخصيًا؛ إنه يسير في أخدودٍ حفره المسيح قبله. فالقصة كلها من أولها تمضي في هذا الاتجاه: إنسانٌ يُحتقَر فيصير مصدر بركة لآخرين. يوسف في جُبِّ العبودية يصير خلاص إخوته، والنبي المرذول يحمل كلمة الله إلى شعبٍ لا يريدها، وأخيرًا يُعلَّق المسيح عاريًا على خشبةٍ هي عار روما الأقصى، ومن ذلك العار بالذات يُفتح الطريق. بولس في قيده يقف داخل هذا النمط لا خارجه: «أَسِيرُ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَجْلِكُمْ». وما يقوله الأصحاح هو أن الله اختار أن يُعرّف «ٱلرُّؤَسَاءِ وَٱلسَّلَاطِينِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ» حكمته «بِوَاسِطَةِ ٱلْكَنِيسَةِ»، أي بواسطة جماعةٍ ضعيفة يقودها رجلٌ مسجون. منطق الصليب لم يتوقف عند الجلجثة؛ صار هو أسلوب عمل الله في التاريخ.
المرآة
نحن نخجل من المسيحيين الضعفاء أكثر مما نعترف. حين يُفصَل زميلك المؤمن من عمله، أو يُصاب الخادم الذي بنى إيمانك بمرضٍ مذلّ، أو يقضي قريبك سنواتٍ في دعوى قضائية خاسرة، يتحرك في داخلنا شيءٌ أقدم من اللاهوت: الرغبة في أن يكون ديننا رابحًا، مُقنعًا، لائقًا أمام الجيران. وحين لا يكون كذلك، نَكِلّ. لا نكفر، بل نفتر؛ نقلّل من الحديث عنه في المكتب، ونؤجّل الزيارة، ونبحث عن تفسيرٍ يجعل الألم خطأ أحدهم. بولس يرفض أن يمنحنا هذا المخرج. شدائده «لِأَجْلِكُمْ»، أي أن ثمن وصول الإنجيل إليك دفعه شخصٌ ما، وغالبًا ما زال أحدهم يدفعه. اليوم: اكتب اسم شخصٍ واحد تألم بسبب أمانته، وأرسل له رسالة قصيرة تقول فيها إن تعبه لم يذهب هباءً، وإنك تراه.
التناص
كتب بولس إلى كولوسي كلامًا أشد غرابة: إنه يفرح بآلامه لأجلهم، ويُكمل في جسده نقائص شدائد المسيح لأجل الكنيسة. ليس معنى ذلك أن الصليب ناقص، بل أن ثمرته تصل إلى الناس عبر أجسادٍ تتألم في نقلها. وفي رسالته الثانية إلى كورنثوس يسخر من خصومه الذين يتباهون بفصاحتهم ونجاحهم، ويضع في المقابل قائمة بالجلدات والسجون والغرق، كأنه يقول: هذه هي أوراق اعتمادي. الخيط واحد في المواضع الثلاثة: العار المنظور هو ظرفٌ يحمل مجدًا غير منظور. ولهذا يمكن لبولس أن يختم بما يبدو مستحيلًا في الآية نفسها، أن ضيقته «هِيَ مَجْدُكُمْ»، ثم ينتقل مباشرة إلى الركوع والصلاة، لا إلى الشكوى.
السياق
تخيّل أفسس: ميناء مزدحم، رائحة سمكٍ وبخور، وفوق المدينة هيكل أرطاميس، إحدى عجائب الدنيا، تعيش المدينة كلها على اقتصاده. القوة هنا مرئية: الآلهة التي تُطعم أهلها، والقضاء الروماني الذي يفصل في المصائر. وفي روما يجلس بولس في إقامةٍ جبرية، مقيَّدًا على الأرجح بسلسلة إلى جندي، ينتظر محاكمةً قد تنتهي بالسيف. الرسالة تُقرأ بصوتٍ عالٍ في بيتٍ ضيق، على مسامع عبيدٍ وحرفيين ونساء، أناسٍ وضعهم الاجتماعي هشّ أصلًا. كلمة «أسير» تقع عليهم ثقيلة؛ فالانتماء إلى حركةٍ زعيمها سجين قد يكلّف الواحد منهم زبائنه أو موقعه في العائلة. على هذه الخلفية بالذات يطلب بولس ألا تتراخى أيديهم.
السؤال
يبقى سؤال لا تغلقه الآية: كيف يكون ألم إنسانٍ آخر مجدًا لي؟ ألا يوجد شيء مقلق في أن يزدهر إيماني على حساب جسد غيري؟ بولس لا يقدّم نظريةً تُريح الضمير. هو لا يقول إن الله يحب الألم، ولا يطلب من أحد أن يسعى إليه. كل ما يقوله إن الطريق الذي وصل إليهم مرّ بجسده، وإن هذا ليس حادثًا عرضيًا بل شكل عمل الله المعروف. تبقى المسافة بين «لِأَجْلِكُمْ» و«مَجْدُكُمْ» مسافةً لا يملؤها التفسير، بل الامتنان والمسؤولية. من قَبِل ميراثًا دُفع ثمنه دمًا وقيدًا لا يحق له أن يعامله كشيءٍ عادي.
تأملات
من هو الشخص الذي دفع ثمنًا ملموسًا كي يصل الإنجيل إليك أنت شخصيًا، وهل سميته يومًا باسمه أمام الله؟
في أي موقف تحديدًا بدأت تتراخى يداك لأن إيمانك بدا خاسرًا أمام الآخرين، وما الذي يتغير إن قرأت ذلك الخسران بعين بولس؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Ephesians 3:13
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى أفسس 3:13؟
عمّ يتحدث أفسس 3:13؟
ما هو السياق التاريخي لـ أفسس 3:13؟
ماذا يعلّمنا أفسس 3:13 عن صفات الله؟
كيف لا يزال أفسس 3:13 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Ephesians 3
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا أبانا، حين تثقل الأيام وتضيق الأنفاس، لا تدع قلبي يكل. علّمني أن أرى في ما أحتمله اليوم خيرًا يمتد إلى غيري، وأن مجدك لا ينطفئ في الضيق. اسندني حتى أبقى واقفًا، واثقًا أن محبتك تحملني.
أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ". لم يصل بولس إلى هذا بذكائه ولا بسنوات تعلّمه عند رجلَي غمالائيل، بل فُتح له الباب من فوق. والسرّ الذي كُشف له ليس لغزًا غامضًا، بل أنك أنت، أيها البعيد، صرت من أهل البيت. ما زال الله يكشف نفسه لمن يصمت أمامه. هل تطلب أن تفهم، أم تطلب أن يُعلَن لك؟
بولس مقيّد بالسلاسل، ومع ذلك لا يصلّي أن تُفتح الأبواب، بل "أن تتأيدوا بالقوة بروحه في الإنسان الباطن". هو يعرف أن ما ينكسر فينا أولاً ليس الجسد بل الداخل المتعب. ولاحظ أنه يطلب "بحسب غنى مجده"، لا بحسب ضيقك ولا بمقدار ما تظن أنك تستحق. فما الذي كنت تطلبه اليوم؟ ظرفاً يتغيّر، أم إنساناً باطناً يتقوّى؟
يا أبانا، محبتك أوسع من قلبي الصغير، وأنا أحيانًا أقيسها بحسب تعبي وخوفي. علّمني أن أتجذّر فيها، وأن أرى معك ومع أولادك كم هي عريضة وعميقة وعالية، حتى أثق أن لا شيء يخرجني منها.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة