إرميا 15:16
النص
يقول إرميا إنّ كلام الله لم يصله على شكل رسالة يحملها من بعيد، بل كطعام وجده فالتهمه: «وُجِدَ كَلَامُكَ فَأَكَلْتُهُ». ما دخل جوفه صار فيه فرحًا وبهجة قلب، لا ترفًا روحيًا بل قوت حياة في زمن جفاف وخصام. والسبب الذي يعطيه ليس شعورًا ولا ذوقًا شخصيًا، بل حقيقة قانونية عهدية: «لِأَنِّي دُعِيتُ بِٱسْمِكَ يَارَبُّ إِلَهَ ٱلْجُنُودِ». هو يقول هذا وهو في منتصف شكوى مرّة، بعد أن لعن يوم ولادته في العدد العاشر، وقبل أن يتّهم الله بأنه صار له «مِثْلَ مِيَاهٍ غَيْرِ دَائِمَةٍ» في العدد الثامن عشر. الفرح والجرح يسكنان الفقرة نفسها.
الجوهر
الفعل «أكلته» ليس استعارة لطيفة عن القراءة. الكلمة العبرية هنا هي فعل الأكل العادي، أكل الخبز واللحم، وهي الكلمة ذاتها التي ارتبطت بالشجرة في الجنة وبالمنّ في البرية. الله الذي خلق بكلمته يُعيل بكلمته أيضًا؛ الكلمة التي أخرجت النور من العدم هي التي تُبقي نبيًّا واحدًا حيًّا وسط أمة محكوم عليها بالسيف والجوع والسبي. وهنا يلتقي الخلق بالخلاص: ما يحفظ الوجود هو ما يحفظ المؤمن. لكن لاحظ ترتيب إرميا: الفرح لا ينبع من مضمون الرسالة، فالرسالة رعب. الفرح ينبع من أنّ اسم الله دُعي عليه. هذه لغة الملكية العهدية: ما يُدعى عليه اسم الرب يصير له، تحت حمايته ومسؤوليته. إرميا يفرح لأنه مملوك، لا لأنه مرتاح. وهذا فرق يقلب فهمنا للنعمة رأسًا على عقب.
الخيط الناظم
ما يفعله إرميا هنا هو ما سيفعله المسيح على نطاق لا يُقاس: يحمل كلمة دينونة على شعبٍ هو شعبه، ويبتلعها حتى تصير جزءًا من جسده. النبي يأكل الكلمة ويحيا بها؛ المسيح هو الكلمة التي تُؤكل، وهو نفسه يقول إنّ طعامه أن يعمل مشيئة الذي أرسله. وحين يعلن في برية التجربة أنّ الإنسان لا يحيا بالخبز وحده بل بكل كلمة تخرج من فم الله، فهو يقف في الموضع الذي وقف فيه إرميا: وحيدًا، جائعًا، مرفوضًا، ومع ذلك مُشبعًا. والخيط الأعمق هو الاسم. إرميا يفرح لأن اسم الرب دُعي عليه؛ ونحن نُدعى مسيحيين لأن اسم المسيح دُعي علينا في المعمودية. الملكية تسبق الراحة، والانتماء يسبق الفهم.
المرآة
تعرف هذا الشعور: تقرأ فصلًا في الصباح لأنه مكتوب في جدولك، تغلق الكتاب، ولا يبقى منه شيء بعد نصف ساعة من الازدحام والبريد الإلكتروني. إرميا لم يتصفّح الكلمة، بل أكلها. والفرق ليس في الحماسة بل في الجوع. نحن نشبع من أشياء أخرى: من التقدير في العمل، من استقرار الحساب المصرفي، من هدوء البيت حين لا يمرض أحد. ثم يأتي يوم تنكسر فيه هذه كلها، فنكتشف أننا لم نتعلّم أن نأكل الكلمة، بل أن نزيّن بها حياة مبنية على غيرها. ولاحظ أنّ إرميا كان أيضًا جريحًا وغاضبًا؛ الفرح هنا لا يلغي الشكوى بل يسكن معها. اليوم: احفظ النصف الأول من العدد السادس عشر عن ظهر قلب، واقرأه بصوت مسموع ثلاث مرات قبل أن تنام.
الشخصية المحورية
إرميا في هذا الأصحاح رجل ممزّق بصدق نادر. لعن يوم ولادته، واشتكى أنّ كل واحد يلعنه رغم أنه لم يُقرض ولم يُقرَض، أي أنه لم يعطِ أحدًا سببًا للعداوة. وفي العدد السابع عشر يعترف بعزلة اختارها لا رغبةً في التقوى بل لأنّ يد الله عليه: «مِنْ أَجْلِ يَدِكَ جَلَسْتُ وَحْدِي». ثم، بعد آيتين، يتّهم الله بأنه كاذب. هذا هو الرجل نفسه الذي قال إنّ الكلمة كانت له فرحًا وبهجة قلب. لا تحاول أن تنزع التناقض؛ هو جوهر صورة النبي. الإيمان الناضج ليس خلوًّا من المرارة، بل قدرة على حمل الفرح والجرح في الجملة ذاتها دون أن يكذب أحدهما على الآخر.
التناص
حزقيال سيُؤمر لاحقًا بأن يأكل درجًا مكتوبًا، فيصير في فمه كالعسل حلاوة رغم أنّ المكتوب فيه مراثٍ وأنين وويل؛ ويوحنا في الرؤيا يأكل سفرًا صغيرًا حلوًا في الفم ومرًّا في الجوف. الثلاثة يصفون التجربة نفسها: كلمة الله تُفرح من يحملها ثم تمزّقه. هذا ليس تناقضًا في الكلمة بل في موقع الحامل، الواقف بين الله الذي يحب وشعبٍ يرفض. وقارن هذا بالعدد التاسع عشر، حيث يَعِد الرب إرميا أنه إن رجع يُرجعه فيقف أمامه، ويصير «مِثْلَ فَمِي». من يأكل الكلمة يصير في النهاية فمًا لله. التغذية تنتهي بالتشبّه، والتشبّه يُكلّف.
الملامح
سامعو إرميا كانوا سكان أورشليم في عقودها الأخيرة، شعبًا تعلّم أن يستمد أمانه من الهيكل ومن وعد داود، فكان سماع عبارة «إِلَهَ ٱلْجُنُودِ» مطمئنًا في العادة: إله الجيوش يقاتل عنّا. لكنّ إرميا يستخدم اللقب نفسه وقد انقلب اتجاه السيف. الجيوش الآن تأتي من الشمال، والحديد الذي لا يُكسر ليس حديدهم. وفي ثقافة كان فيها الانتماء الجماعي كل شيء، كان قول رجل إنه دُعي باسم الرب وحده، بينما الأمة كلها تُذرى بمذراة، إعلانًا مذهلًا: أنّ العهد لا يسقط بسقوط المؤسسة. هذا ما كانوا يحتاجون أن يسمعوه وما رفضوه. بقية صغيرة تأكل الكلمة ستنجو حيث تفشل الجدران.
للتأمل
ما الذي أُشبِع منه فعليًّا هذه الأيام، بحيث لا أشعر بجوع إلى الكلمة إلا حين ينهار شيء؟
هل أستطيع، مثل إرميا، أن أقول لله حقيقة مرارتي دون أن أتخلّى عن فرحي بأنّ اسمه دُعي عليّ؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Jeremiah 15:16
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى إرميا 15:16؟
عمّ يتحدث إرميا 15:16؟
ما هو السياق التاريخي لـ إرميا 15:16؟
ماذا يعلّمنا إرميا 15:16 عن صفات الله؟
كيف لا يزال إرميا 15:16 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Jeremiah 15
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
أشكرك لأن يدك هي التي أجلستني وحدي، فلم تكن وحدتي فراغًا بل حضورًا معك. أشكرك أنك تحفظني من محافل المازحين حين تمتلئ نفسي بما يحزن قلبك، وأنك تعطيني أن أشاركك همّك لا أن أهرب منه. حتى في صمتي أنت قريب، ويدك عليّ لا تتركني.
أشكرك يا رب لأنك جعلتني "سور نحاس حصينا"، فحين حاربوني لم يقدروا عليّ. أشكرك على وعدك: "لأني معك لأخلصك وأنقذك"، فما عادت المواجهة تخيفني، ولا الكلام الجارح يهدمني. أنت الذي تسندني حين ترتجف ركبتاي، وتقفني من جديد.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة