لوقا 17:5
النص
بعد أن وضع يسوع أمام تلاميذه مطلبًا يكاد يقطع النفس، أن يغفر الواحد لأخيه سبع مرات في اليوم الواحد كلما رجع تائبًا، لم يجب التلاميذ بـ"نعم" ولا بـ"لا". بل تحوّلوا إليه بطلب واحد مختصر: «زِدْ إِيمَانَنَا!». ولاحظ أن لوقا هنا لا يسميهم "التلاميذ" كما في الآية الأولى، بل «ٱلرُّسُلُ»، أي الذين أُرسلوا ولهم موقع ومسؤولية. هؤلاء بالذات، لا الجموع ولا المتفرجون، هم الذين وجدوا أنفسهم عاجزين. فالآية في جوهرها ليست سؤالًا لاهوتيًا عن طبيعة الإيمان، بل صرخة رجال اكتشفوا للتو أن ما طُلب منهم أكبر من طاقتهم، فطلبوه ممن طلب.
الجوهر
هنا يظهر منطق النعمة في أنقى صوره: الوصية تكشف العجز، والعجز يسوق إلى المُوصي نفسه. الرب يطلب غفرانًا متكررًا بلا حساب، والرسل يدركون أن هذا ليس تحسينًا في السلوك بل تغييرًا في التربة التي ينبت منها السلوك. فلا يحاولون أن يتمرنوا عليه، ولا يساومون على تخفيفه، بل يطلبون أن يُعطَوا ما أُمروا به. هذا هو الفرق بين دين يُنتج القوة من داخل الإنسان ودين يستجديها من فوق. ولاحظ ما لم يقولوه: لم يقولوا "خفّف عنا"، ولا "هذا مستحيل". الإيمان الحقيقي يبدأ حين يتوقف الإنسان عن الدفاع عن محدوديته ويقدّمها إلى الرب كطلب. وجواب يسوع في الآية التالية سيصحح الكمية، لكنه لن ينكر الطلب نفسه.
الخيط الجامع
طلب «زِدْ إِيمَانَنَا!» يقف في خط طويل يمتد عبر الكتاب كله: الله يأمر بما لا يستطيعه الإنسان، ثم يَعِد بأن يصنعه هو فيه. الشريعة طلبت قلبًا مختونًا، والأنبياء وعدوا بقلب جديد وروح جديد يُوضَع في الداخل. والرسل هنا، دون أن يدروا، يصلّون صلاة العهد الجديد قبل أن يأتي يوم الخمسين. وليس صدفة أن الطلب يُوجَّه إلى يسوع نفسه، لا إلى السماء عمومًا: «فَقَالَ ٱلرُّسُلُ لِلرَّبِّ». الذي يأمر بالغفران السبعي هو نفسه الذي سيُعلَّق ويقول "اغفر لهم"، وهو نفسه مصدر القدرة على ذلك. الإيمان في المسيحية ليس طاقة بشرية تُستجمع، بل عطية تُستَقبل من شخص. ولهذا فإن الطريق من الوصية إلى الطاعة يمرّ دائمًا بالصليب، لا بالإرادة وحدها.
المرآة
اسأل نفسك بصدق: متى كانت آخر مرة قلت للرب "لا أستطيع" دون أن تقصد بها الاعتذار عن الطاعة؟ نحن بارعون في نوعين من الهروب. الأول: أن نخفّض المطلب، فنقنع أنفسنا أن ذاك الأخ الذي جرحنا "حالة خاصة"، وأن الغفران له سيكون ضعفًا لا قداسة. والثاني: أن نشدّ على أسناننا ونمثّل الغفران، فنبتسم في اجتماع العائلة ونحن نحتفظ بالفاتورة كاملة في الداخل. الرسل لم يفعلوا أيًّا من الاثنين. اعترفوا بالعجز وطلبوا. وهذا هو ما يحرّر: أنك لست مطالبًا بأن تصنع في قلبك ما لا تملك صنعه، بل بأن تطلبه. العجز ليس عارًا؛ العجز الصامت هو العار.
افعل هذا اليوم: اكتب على ورقة اسم الشخص الذي يصعب عليك أن تغفر له، ثم قل بصوت مسموع، وأنت تنظر إلى الاسم: "يا رب، لا أستطيع. زِدْ إيماني." لا تعِد بأكثر من ذلك، ولا تتصل به بعد. فقط قل الجملة وأبقِ الورقة في جيبك حتى المساء.
السياق
نحن في قلب رحلة يسوع الطويلة نحو أورشليم في إنجيل لوقا، حيث يُعدّ تلاميذه لما بعد رحيله. الكلام في الآيات السابقة موجّه «لِتَلَامِيذِهِ»، وهو كلام قاسٍ: ويل لمن يُعثر، وحجر رحى، وبحر. ثم ينتقل فجأة إلى الغفران المتكرر. وفي ثقافة الشرق القديم كان الشرف والعار يحكمان العلاقات؛ من يُسيء إليك علنًا سبع مرات في يوم واحد يستحق القطيعة لا المصالحة، وإلا بدوتَ بلا كرامة أمام الجماعة. فما يطلبه يسوع ليس فضيلة أخلاقية مألوفة، بل خرق لمنطق الشرف كله. والرسل، وهم المدعوون لقيادة جماعة ناشئة ستمتلئ بالاحتكاكات، يرون مسبقًا كم سيكلّفهم هذا. طلبهم ليس تقوى مجرّدة، بل استعداد لمهمة ثقيلة.
الملامح
الذين قرأوا لوقا أولًا كانوا جماعات مسيحية صغيرة تعيش في بيوت، يهودًا وأمميين معًا، مع كل ما يحمله ذلك من سوء فهم واحتكاك يومي. هناك من أنكر المسيح في وقت الضيق ثم عاد. هناك من أساء إلى أخيه في مال أو كلمة، وتاب، وأساء ثانية. فكلمة «سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي ٱلْيَوْمِ» لم تكن مبالغة بلاغية عندهم، بل وصفًا لحياة بيت مزدحم. وحين سمعوا «ٱلرُّسُلُ» يطلبون زيادة الإيمان، تنفّسوا الصعداء: حتى بطرس ويوحنا شعرا بالعجز. هذا يسقط الوهم القاتل بأن هناك طبقة من القديسين تطيع بسهولة وطبقة من العاديين تكافح. الكنيسة الأولى عاشت من الطلب، لا من الإنجاز.
السؤال
لكن إن كان الإيمان عطية، فلماذا لا يُعطيها الله دفعة واحدة وكاملة؟ لماذا يترك رسله يصرخون؟ الجواب الذي يعطيه يسوع في الآية التالية مربك: لا يزيدهم إيمانًا، بل يقول إن حبة خردل تكفي. أي أن المشكلة ليست في الكمية. وهذا يترك سؤالًا مفتوحًا: إن كان القليل يكفي، فلماذا نعجز ونحن نملك القليل؟ لا أظن أن النص يحلّ هذا تمامًا. ربما لأن الإيمان ليس مادة تُخزَّن بل علاقة تُمارَس، وحبة الخردل لا تنفع في الجيب بل في التربة. والله يبدو أنه يفضّل أن نعود إليه كل صباح طالبين، على أن نمتلك رصيدًا يُغنينا عن الطلب. هذا مزعج، لكنه ليس قسوة؛ إنه طريقة الله في إبقائنا قريبين.
تأملات
ما هي الوصية التي خفّضتَ سقفها في السنوات الأخيرة لأنك وجدتها فوق طاقتك، ولم تجرؤ أن تطلب من الرب قدرة عليها؟
حين تعترف بعجزك أمام الله، هل تعترف به كطلب أم كاعتذار مسبق عن عدم الطاعة؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Luke 17:5
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى لوقا 17:5؟
عمّ يتحدث لوقا 17:5؟
ما هو السياق التاريخي لـ لوقا 17:5؟
ماذا يعلّمنا لوقا 17:5 عن صفات الله؟
كيف لا يزال لوقا 17:5 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Luke 17
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
وَلكِنْ يَنْبَغِي أَوَّلاً أَنْ يَتَأَلَّمَ كَثِيرًا وَيُرْفَضَ مِنْ هذَا الْجِيلِ."
في وسط كلامه عن مجد مجيئه كالبرق الذي يضيء السماء، يضع يسوع كلمة صغيرة: "أَوَّلاً". قبل المجد، صليب. قبل الإشراق، رفض.
وأنت تنتظر فرجك، لا تستغرب الطريق الطويل. سيدك نفسه لم يختصره. ما ترتيب الله في حياتك اليوم، وهل تقبل "أَوَّلاً" الخاصة بك؟
أشكرك يا يسوع لأنك "في ذهابك إلى أورشليم اجتزت في وسط السامرة والجليل"، فلم تتجنّب الطرق المهمَلة ولا الناس الذين تجاهلهم الجميع. شكرًا لأن طريقك إلى الصليب مرّ بالحدود التي يقف عندها المنبوذون، وما زلت تمرّ بي أنا أيضًا.
يا أبي، أنا أمسك حياتي بيدين مشدودتين، خائفًا أن أفقد ما بنيته. علّمني أن أفتح قبضتي وأضعها فيك، فأنا أعرف في داخلي أن كل ما أحاول إنقاذه وحدي يضيع، وأن ما أسلّمه لك يبقى ويحيا.
يا رب، إيماني صغير جدًا، أصغر من حبة خردل، وأنا أخجل منه أحيانًا. لكنك لا تطلب مني الكثير، بل تطلب أن أضع القليل الذي عندي بين يديك. خذه، وافعل به ما لا أقدر عليه، فما يبدو مستحيلًا أمامي ليس مستحيلًا عندك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة