متى 25:40
النص
بعد مَشاهد الانتظار والوزنات، يفتح المشهد الأخير على الملك جالسًا على كرسي مجده، والشعوب كلها أمامه. يقول للذين عن يمينه إنهم أطعموه وسقوه وآووه وكسوه وزاروه، فيرتبكون: متى؟ لا أحد منهم يتذكّر أنه رأى الملك. وهنا يأتي جوابه الذي يقلب الموازين كلها: «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ ٱلْأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ». أي أن الخدمة التي قُدِّمت لإنسان جائع أو غريب أو مسجون لم تكن مجرد عملٍ حسن، بل كانت لمسةً مباشرة للملك نفسه، وإن لم يدرِ فاعلها. الآية ليست تعليقًا هامشيًا على القصة؛ إنها المفتاح الذي يفسّر لماذا فُصل الخراف عن الجداء أصلًا.
الجوهر
الأمر الذي يهزّ في هذه الآية ليس دعوةً إلى الإحسان، بل هوية الملك. المسيح لا يقول إنه يهتمّ بالجياع، بل يقول إنه كان الجائع. لقد ربط نفسه بـ«ٱلْأَصَاغِر» ربطًا لا فكاك منه، حتى صار الموقف منهم هو الموقف منه. وهذا يعني أن الدينونة في هذا المشهد ليست على أفكارٍ صحيحة عن الله، بل على ما فعلته أيدينا بجسد إنسانٍ محتاج. لكن انتبه إلى ترتيب الكلام: الملك يقول أولًا «رِثُوا ٱلْمَلَكُوتَ ٱلْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ»، ثم يذكر الأعمال. الميراث مُعدٌّ سلفًا؛ الأعمال ليست ثمنًا يُدفع بل علامةً تنكشف. والدليل على ذلك دهشة الأبرار أنفسهم: لم يكونوا يحسبون حساب الأجر، لأن المحبة الحقيقية لا تسجّل فواتير.
الخيط الجامع
هذا الملك الذي يتماهى مع الجائع ليس مبتدعًا موقفًا جديدًا يوم الدينونة؛ إنه يقول من على العرش ما عاشه في الجسد. هو نفسه وُلد لأبوين لم يجدا موضعًا، وهرب غريبًا إلى مصر، وجاع في البرية، وعطش على الصليب، وعُرِّي أمام الجنود، وسُجن ليلة الجمعة. الذي يجلس على «كُرْسِيِّ مَجْدِهِ» هو الذي ذاق كل بندٍ من بنود هذه اللائحة الستة. ولذلك حين لقي شاول على طريق دمشق سأله: لماذا تضطهدني؟ لم يقل: لماذا تضطهد أتباعي. الاتحاد بين الرأس والجسد ليس مجازًا لطيفًا بل واقع. من تأسيس العالم كان الله يدافع عن اليتيم والأرملة والغريب؛ في المسيح صار هو الغريب. والدينونة الأخيرة ليست إلا انكشاف هذا السرّ علنًا.
المرآة
هنا يصير النصّ خشنًا. لأنه لا يسأل عن قناعاتك اللاهوتية بل عن جدول يومك ودفتر حساباتك. الزميل الذي يجلس وحده في الاستراحة، والجارة الأرملة التي لم يطرق بابها أحد منذ شهر، والعامل الوافد الذي تمرّ بجانبه كل صباح ولا تعرف اسمه، والقريب المريض الذي زيارته متعبة لأنه صار ثقيل الكلام، والابن الذي يريد عشر دقائق من انتباهك لا من مالك. الملك لا يذكر تبرعاتٍ كبيرة ولا مشاريع؛ يذكر خبزًا وماءً وثوبًا وزيارة. أشياء يستطيعها الفقير كما الغني، ولذلك لا عذر لأحد. وانتبه: الجداء لم يُدانوا لأنهم أساءوا، بل لأنهم لم يفعلوا شيئًا. الحياد ليس موقفًا محايدًا.
اتصل اليوم بشخصٍ مريض أو وحيد لا يستطيع أن يردّ لك شيئًا، واسأله كيف حاله، وابقَ معه عشر دقائق دون أن تنظر إلى ساعتك.
السؤال
من هم «إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ ٱلْأَصَاغِر»؟ ثمة قراءة تحصرهم في تلاميذ المسيح المرسَلين، الجياع المطرودين المسجونين من أجل اسمه، فتكون الدينونة على استقبال الرسالة في أشخاص حامليها. وثمة قراءة تفتحهم على كل محتاج في العالم. لا أستطيع أن أحسم لك الأمر بجرة قلم، والنصّ نفسه لا يحسمه. لكن الحصر الضيق يريحنا أكثر مما ينبغي: يجعل قائمة المسؤولية قصيرة ومعروفة. والحقيقة أن يسوع في هذا الإنجيل نفسه وسّع دائرة القريب حتى شملت العدو. ربما الأمانة أن نقول: ابدأ بإخوة الإيمان المتألمين، ولا تتوقف عندهم. من يستخدم الغموض ليقلّل التزامه لم يفهم السؤال أصلًا.
الملامح
الذين سمعوا هذا أولًا لم يكونوا متبرعين محتملين، بل كانوا هم الأصاغر في الغالب. جماعة متّى جماعة فقيرة، مطرودة من المجامع، بينها مرسلون جوّالون يعتمدون على ضيافة البيوت، وبينها مسجونون. والسجن في العالم الروماني لم يكن يُطعم نزلاءه؛ من لا يأتيه أهله بالخبز يموت جوعًا. فحين قال الملك «مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ» كان الحاضرون يعرفون كلفة تلك الزيارة: أن تُعرَف بأنك من أصحاب المتهم. وسمعوا شيئًا آخر أعمق: أن ازدراء الناس لهم ليس الكلمة الأخيرة، وأن الملك يسمّيهم إخوته أمام جميع الشعوب. كرامة تُعطى لمن سُلبت كرامته.
التفصيل
كلمة «ٱلْأَصَاغِر» في اليونانية (إلاخيستون) ليست صيغة تفضيل عادية بل صيغة منتهى الصغر: الأصغر على الإطلاق، من لا يأتي بعده أحد في السلّم. ليست عن «البسطاء» بمعنى لطيف، بل عن من لا يُحسب له حساب. وإلى جانبها كلمة أثقل: «إِخْوَتِي». الملك الجالس على كرسي مجده، وحوله ملائكته، ينسب هؤلاء إلى عائلته. لا يقول عبيدي ولا رعاياي. وهنا مفصل النصّ كله: المسافة بين العرش وقارعة الطريق ألغيت بكلمة قرابة واحدة. فمن أراد أن يكرم الملك ولا يمسّ إخوته، فقد أراد ملكًا من صنع خياله. الطريق إليه يمرّ من حيث لا نتوقع أن نجده.
أسئلة للتأمل
من هو الشخص الذي أعرف اسمه وأعرف حاجته، وأؤجّل الاقتراب منه لأن الاقتراب مكلف أو محرج؟
لو سُئلت اليوم «متى رأيتك؟»، فما الذي يجعلني أظن أن سؤالي سيكون سؤال الأبرار الدهش، لا سؤال الجداء المدافع عن نفسه؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Matthew 25:40
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى متى 25:40؟
عمّ يتحدث متى 25:40؟
ما هو السياق التاريخي لـ متى 25:40؟
ماذا يعلّمنا متى 25:40 عن صفات الله؟
كيف لا يزال متى 25:40 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Matthew 25
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا رب، أنا أعرف الخوف الذي يدفعني لأدفن ما أعطيتني إياه، وأقنع نفسي أن الأمان أفضل. سامحني حين أظن أنك قاسٍ، وعلّمني أن أثق بك بما يكفي لأخاطر وأستثمر ما وضعته بين يديّ، ولو بخطوة صغيرة اليوم.
يا رب، في منتصف الليل حين تأتي الصرخة المفاجئة، أيقظني ولا تدعني أنهض فارغاً. اجعل قلبي مهيأً كمصباح مشذّب، فيه زيت يكفي للانتظار الطويل. علّمني أن أستعد اليوم، لا غداً، وأن أبقى منتبهاً حتى ألقاك.
فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء". الخراف والجداء ترعى معاً في مرعى واحد طوال النهار، ومن بعيد يصعب التمييز. لكن الراعي يعرف. لا ينتظر منك أعمالاً عظيمة تُذكر، بل كوب ماء بارد، زيارة قصيرة، لقمة تُقدَّم بصمت. ما تفعله اليوم دون أن يراه أحد، هو الذي يظهر هناك.
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة