شرح الكتاب المقدس

رومية 9:3

اقرأ

النص

بعد أن أقسم بولس ثلاث مرّات أنّه صادق، لا يكذب، وأنّ ضميره يشهد له بالروح القدس، يفتح قلبه على ما فيه: حزن عظيم ووجع لا ينقطع. ثمّ ينطق بالجملة التي تكاد تُوقف القراءة: لو أمكن، لتمنّى هو نفسه أن يكون محرومًا من المسيح، مقطوعًا، ملعونًا، في مقابل خلاص إخوته وأنسبائه حسب الجسد. لا يقول إنّه يستطيع ذلك، ولا إنّه سيفعله، بل إنّه ودّ لو كان ممكنًا. رغبةٌ مستحيلة، معلّقة في الهواء، ومع ذلك يكتبها ويتركها مكشوفة أمامنا من غير أن يشرحها.

الجوهر

الرجل الذي كتب قبل أصحاح واحد أنّ لا شيء يفصلنا عن محبّة الله يقول هنا إنّه ودّ لو انفصل. ليس هذا تناقضًا بل قياس عمق: من ذاق تلك المحبّة وحدَه يعرف كم يساوي فقدانها، ووحدَه يستطيع أن يعرض ثمنها. هنا يظهر شيء عن الله لا تقوله البراهين: أنّ محبّته حين تسكن في إنسان لا تجعله آمنًا مكتفيًا، بل تجعله يتوجّع لأجل الخارجين. الخلاص الذي لا يولّد ألمًا على غير المخلَّصين لم يصر بعدُ خلاصًا كاملًا فينا. ولأنّ الأمنية مستحيلة، فهي تشير إلى ما وراءها: واحدٌ فقط صار محرومًا فعلًا لأجل إخوته حسب الجسد، وبولس هنا يقف على حافة تلك الهاوية ويحدّق فيها من بعيد.

الخيط الجامع

هناك رجل واحد سبق بولس إلى هذه الأمنية. موسى، بعد العجل الذهبي، قال لله: امحني من كتابك الذي كتبتَ، إن لم تغفر لهذا الشعب. والله رفض. لم يقبل البديل. بقيت الأمنية معلّقة، كأنّها سؤال مفتوح في الكتاب ينتظر جوابًا لا يقدر عليه بشر. وبولس، وهو يقف في المكان نفسه، يكتب بعد سطرين: «وَمِنْهُمُ ٱلْمَسِيحُ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ». الجملة نفسها التي وصف بها إخوته يصف بها المسيح. الذي جاء من هذا اللحم والدم هو الذي أخذ اللعنة عوضًا، لا كأمنية بل كفعل. ما تمنّاه موسى وبولس ولم يُسمح لهما به، صار على الصليب حقيقة. فالأمنية المستحيلة ليست شذوذًا في الرسالة؛ إنّها ظلّ الصليب واقعًا على قلب رسول.

المرآة

اسأل نفسك بهدوء: متى آخر مرّة أوجعك أحدٌ خارج الإيمان وجعًا لا ينقطع؟ نحن نتقن الكلام عن غير المؤمنين أكثر ممّا نتقن الحزن عليهم. أخوك الذي ترك الكنيسة صار موضوع نقاشٍ في العائلة، لا موضوع بكاء في غرفتك. زميلك في العمل الذي يسخر من الصلاة صار خصمًا في حجّة، لا اسمًا في صلاتك. الأخطر أنّ الخلاص يُصبح ملكيّة خاصّة نحرسها، لا نارًا تحرقنا لأجل من هم في البرد. بولس لا يهدّد أحدًا بالجحيم هنا؛ هو ينزف. اليوم، قبل أن ينتهي النهار: اكتب على ورقة اسم قريبٍ واحدٍ لك «حسب الجسد» بعيد عن المسيح، وقل الاسم بصوت مسموع أمام الله، ثمّ اصمت دقيقة كاملة من غير أن تطلب شيئًا.

التفصيل

الكلمة التي تُرجمت «محرومًا» هي في اليونانية ἀνάθεμα (أناثيما)، وليست تعني الحرمان بمعنى المنع من امتياز. إنّها كلمة الهيكل: شيءٌ يُسلَّم كلّيًا، يُفرَز للدمار، يُخرَج من دائرة البركة إلى غير رجعة. ليست عقوبة زمنية ولا تأديبًا، بل قطعًا نهائيًا. وبولس يستعمل هذه الكلمة بالذات عن نفسه، هو الذي كان يلعن آخرين قبل دمشق. الرجل الذي حمل رسائل ضدّ المسيحيّين صار يعرض نفسه لعنةً لأجل الذين يحملون رسائل ضدّه. لاحظ أيضًا صيغة الفعل: «كُنْتُ أَوَدُّ»، ماضٍ ناقص، لا حاضر. أمنيةٌ يعرف صاحبها أنّها خارج المستطاع، فيتركها ناقصة عمدًا. اللغة نفسها تئنّ.

السؤال

هل هذه الأمنية مقدّسة أم خاطئة؟ أن يتمنّى مؤمنٌ أن يُقطع عن المسيح، أليس هذا استخفافًا بأثمن ما أعطاه الله؟ ألا يجب أن يقول بولس: رضاك يا الله أهمّ من خلاص أهلي؟ الجواب السهل أن نسمّيها مبالغة بلاغية ونمضي. لكنّ بولس يبدأ بقسمٍ ثلاثيّ حتى نغلق هذا الباب: هو صادق. والحقيقة أنّ النص لا يقول لنا هل قبل الله هذه الرغبة أم لا. يتركها هناك، بلا تعليق، بلا تصحيح. ربّما لأنّ المحبّة حين تبلغ عمقها تفقد قدرتها على الحساب الصحيح، وهذا الفقدان نفسه شبهٌ بالله لا خطيئة ضدّه. لكنّي لا أدّعي أنّي أعرف. الأمنية تبقى مفتوحة، ونحن نقف أمامها حفاةً.

السياق

نحن في منتصف الخمسينات الميلادية. بولس يكتب إلى كنيسة في رومة لم يزرها بعد، كنيسة كان يهودها قد طُردوا من المدينة أيّامَ كلوديوس ثمّ عادوا ليجدوا أنّ الأمميّين صاروا الأكثريّة، والأكثريّة نادرًا ما تكون رحيمة. في الخلفية سؤال يقضّ المضاجع: إن كان شعب الله المختار قد رفض مسيحه، فهل سقطت كلمة الله؟ وإن سقطت مع إسرائيل، فما الذي يضمن ألّا تسقط معنا؟ وبولس نفسه متّهم من الجهتين: خائنٌ لشعبه في نظر المجامع التي جلدته، ويهوديّ متزمّت في نظر بعض الأمميّين. لذلك يبدأ بالقسم. من فقد مصداقيّته عند الطرفين لا يملك إلّا أن يفتح قلبه ويترك القرّاء ينظرون فيه.

أسئلة للتأمل

ما الذي يخبرني به صمتي عن الأشخاص الذين أعرف أنّهم بعيدون عن المسيح، وهل يحتمل هذا الصمت أن يُسمّى محبّة؟

لو كان لي أن أكتب جملة بولس بصيغتي أنا، أيّ اسم كنت سأضع مكان «إخوتي أنسبائي»، ولماذا يخيفني أن أكتبه؟

كتب مسيحية تستحق القراءة

كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.

الاعترافات

الاعترافات

القديس أوغسطينوس

رحلة روحية صادقة تكشف كيف يعمل الله في القلب البشري ويقوده إلى النعمة.

الاقتداء بالمسيح

الاقتداء بالمسيح

توما الكمبيسي

كتاب تأملي عميق يدعو النفس إلى التواضع والسير على خطى المسيح يوميًا.

سياحة المسيحي

سياحة المسيحي

جون بنيان

قصة رمزية خالدة ترسم رحلة الإيمان بكل تجاربها حتى المدينة السماوية.

المسيحية المجردة

المسيحية المجردة

سي. إس. لويس

دفاع عقلاني ودافئ عن جوهر الإيمان المسيحي يخاطب العقل والقلب معًا.

رسائل المكار

رسائل المكار

سي. إس. لويس

نظرة ساخرة وحكيمة إلى حيل التجربة تكشف مواطن الضعف الروحي وتقوّي اليقظة.

بصفتنا شركاء في أمازون، تحصل Faith.network على عمولة من عمليات الشراء المؤهّلة. هذا يساعد على إبقاء المنصّة مجانية.

شارك هذا الشرح

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter

أسئلة شائعة حول Romans 9:3

إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.

ما معنى رومية 9:3؟
بعد أن أقسم بولس ثلاث مرّات أنّه صادق، لا يكذب، وأنّ ضميره يشهد له بالروح القدس، يفتح قلبه على ما فيه: حزن عظيم ووجع لا ينقطع. ثمّ ينطق بالجملة التي تكاد تُوقف القراءة: لو أمكن، لتمنّى هو نفسه أن يكون محرومًا من المسيح، مقطوعًا، ملعونًا، في مقابل خلاص إخوته وأنسبائه حسب الجسد. لا يقول إنّه يستطيع ذلك، ولا إنّه سيفعله، بل إنّه ودّ لو كان ممكنًا.
عمّ يتحدث رومية 9:3؟
هناك رجل واحد سبق بولس إلى هذه الأمنية. موسى، بعد العجل الذهبي، قال لله: امحني من كتابك الذي كتبتَ، إن لم تغفر لهذا الشعب. والله رفض. لم يقبل البديل. بقيت الأمنية معلّقة، كأنّها سؤال مفتوح في الكتاب ينتظر جوابًا لا يقدر عليه بشر. وبولس، وهو يقف في المكان نفسه، يكتب بعد سطرين: «وَمِنْهُمُ ٱلْمَسِيحُ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ».
ما هو السياق التاريخي لـ رومية 9:3؟
الكلمة التي تُرجمت «محرومًا» هي في اليونانية ἀνάθεμα (أناثيما)، وليست تعني الحرمان بمعنى المنع من امتياز. إنّها كلمة الهيكل: شيءٌ يُسلَّم كلّيًا، يُفرَز للدمار، يُخرَج من دائرة البركة إلى غير رجعة. ليست عقوبة زمنية ولا تأديبًا، بل قطعًا نهائيًا. وبولس يستعمل هذه الكلمة بالذات عن نفسه، هو الذي كان يلعن آخرين قبل دمشق.
ماذا يعلّمنا رومية 9:3 عن صفات الله؟
نحن في منتصف الخمسينات الميلادية. بولس يكتب إلى كنيسة في رومة لم يزرها بعد، كنيسة كان يهودها قد طُردوا من المدينة أيّامَ كلوديوس ثمّ عادوا ليجدوا أنّ الأمميّين صاروا الأكثريّة، والأكثريّة نادرًا ما تكون رحيمة.
كيف لا يزال رومية 9:3 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
لو كان لي أن أكتب جملة بولس بصيغتي أنا، أيّ اسم كنت سأضع مكان «إخوتي أنسبائي»، ولماذا يخيفني أن أكتبه؟
بدعم من شركائنا

ما يشاركه المجتمع حول Romans 9

تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.

تأمّل تحريري في آية 33

الحجر نفسه، هو هو، صار لواحد صخرة عثرة ولآخر أساس ثقة. "ها انا اضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة وكل من يؤمن به لا يخزى." المشكلة لم تكن في الحجر بل في الطريقة التي جاء بها الناس إليه. من أتى يجرّ أعماله ليثبت استحقاقه تعثّر، ومن أتى فارغ اليدين مؤمناً لم يخزَ. أنت اليوم، بأي يد تقترب منه؟

اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف

مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.

افتح في أداة الدراسة

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لتوليد شروحات الكتاب المقدس. ومع سعينا إلى سلامة التعليم اللاهوتي، قد يقع البرنامج في الخطأ. استخدم هذه الأداة عوناً مكمّلاً لدرسك الشخصي للكتاب المقدس ولحياة الشركة في الكنيسة، لا بديلاً عنهما.

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network