بولس الرسول في الكتاب المقدس
مقدمة
تخيّل رجلًا في أوائل الثلاثينات من عمره، يمشي على طريق ترابي شمالًا نحو دمشق، وفي حقيبته أوراق رسمية موقّعة من رئيس الكهنة. الأوراق تخوّله أن يقتحم البيوت، ويجرّ رجالًا ونساء موثوقين إلى أورشليم. هو ليس مجرمًا في نظر نفسه؛ بل هو رجل الله الغيور، التلميذ النجيب، الفرّيسي الذي بلا لوم. وفي منتصف النهار، على ذلك الطريق بالذات، يسقط على الأرض ويسمع صوتًا لم يكن يتوقعه أبدًا: «شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟»
من تلك اللحظة وُلد أعظم مبشّر عرفته الكنيسة. لكن الأهم أنه وُلد رجل لن يتعافى أبدًا من دهشته. في هذه الصفحة سنسير مع بولس من طرسوس إلى سيف روما، خطوة بخطوة، وسنرى كيف صار جرحُه القديم هو ينبوع لاهوته كله.
زاوية هذا الدليل
أكثر ما يُكتب عن بولس يعرض سيرته كسلسلة إنجازات: ثلاث رحلات، أربع عشرة رسالة، كنائس مزروعة في ثلاث قارات. نحن نقرأه هنا من زاوية أخرى: بولس هو الرجل الذي لم يشفَ من دهشته بالنعمة. لم ينسَ يومًا أنه كان مضطهدًا، ولم يتحوّل ماضيه إلى قصة قديمة نظيفة يرويها بفخر. بقيت ذاكرته جرحًا مفتوحًا، ومن هذا الجرح بالذات تدفّق تعليمه عن التبرير والنعمة والصليب. لاهوت بولس ليس نظرية درسها في مكتبة؛ إنه سيرة ذاتية مكتوبة بحبر الامتنان. من يفهم هذا، يفهم بولس كله.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن بولس الرسول؟
يقدّم لنا الكتاب المقدس بولس بتفصيل لا نجده عن أي شخصية أخرى في العهد الجديد، لأننا نراه من الخارج في سفر أعمال الرسل، ومن الداخل في رسائله.
بدأ الأمر في طرسوس، مدينة يونانية الثقافة في كيليكية. وُلد هناك يهوديًا من سبط بنيامين، وحمل منذ ولادته امتيازًا نادرًا: الجنسية الرومانية. لكنه لم يُربَّ هناك. يقول عن نفسه أمام الجمع في أورشليم: «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلكِنْ رَبَيْتُ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ مُؤَدَّبًا عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالاَئِيلَ» (أعمال 22:3). تلميذ عند أشهر معلّم في جيله، متقن للعبرية واليونانية، حافظ للأسفار، ماهر في الجدل. لو أردنا وصفه بلغة اليوم لقلنا إنه كان النخبة الدينية بعينها.
أول ظهور له في السرد المقدس ليس مشرّفًا. عند رجم استفانوس نقرأ: «وَالشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ» (أعمال 7:58)، ثم بجملة قصيرة قاسية: «وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِيًا بِقَتْلِهِ» (أعمال 8:1). لم يكن متفرجًا محايدًا، بل صار بعدها المحرّك الأول للاضطهاد.
ثم جاء الطريق إلى دمشق. النص في أعمال 9:1-19 يفتح بوصفه وهو «يَنْفُثُ تَهَدُّدًا وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ»، ثم يقول: «فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتًا قَائِلاً لَهُ: شَاوُلُ، شَاوُلُ! لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ الرَّبُّ: أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ». لاحظ الجملة التي غيّرت التاريخ: المسيح لم يقل «لماذا تضطهد أتباعي»، بل «لماذا تضطهدني». الرأس يتوجّع حين يُضرب الجسد. وفي هذا الحوار القصير زُرعت بذرة تعليم بولس كله عن الكنيسة كجسد المسيح.
الله لم يرسل ملاكًا ليكمل العمل، بل رجلًا خائفًا اسمه حنانيا. وقال له الرب عن شاول: «اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي» (أعمال 9:15-16). الدعوة والألم جاءا في العبارة نفسها.
بعد دمشق جاءت سنوات صامتة. ذهب إلى العربية ثم رجع إلى دمشق (غلاطية 1:17)، وقضى سنوات في طرسوس بعيدًا عن الأضواء، حتى جاء برنابا يبحث عنه ليأخذه إلى أنطاكية (أعمال 11:25-26). ومن أنطاكية جاءت لحظة الإرسال: «وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ. فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلَّوْا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا» (أعمال 13:2-3). أعظم حركة إرساليات في التاريخ لم تبدأ بخطة استراتيجية بل بجماعة صائمة تصغي.
تلت ذلك ثلاث رحلات كرازية امتدت نحو عشرين سنة: قبرص وغلاطية أولًا، ثم أوروبا عبر فيلبي وتسالونيكي وأثينا وكورنثوس، ثم ثلاث سنوات في أفسس. زرع كنائس، وكتب إليها رسائل صارت جزءًا من الكتاب المقدس. وفي منتصف الطريق انعقد مجمع أورشليم (أعمال 15) ليحسم السؤال الذي دافع عنه بولس بشراسة: هل يجب على الأممي أن يصير يهوديًا أولًا ليخلص؟ الجواب كان لا. الخلاص بالنعمة وحدها.
النهاية جاءت في أورشليم: قبض عليه، وسُجن في قيصرية سنتين، ثم رفع دعواه إلى قيصر، فأُرسل إلى روما بعد عاصفة وغرق سفينة. يُغلق سفر الأعمال ونحن نراه سجينًا في بيت مستأجر، «كَارِزًا بِمَلَكُوتِ اللهِ... بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، بِلاَ مَانِعٍ» (أعمال 28:31). القيود على يديه، والكلمة بلا قيود.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
قصة بولس ليست استثناءً مفاجئًا في منتصف العهد الجديد؛ إنها ثمرة وعد قديم جدًا.
في تكوين 12:3 وعد الله إبراهيم: «وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». هذا الوعد ظلّ معلّقًا في الهواء قرونًا. إسرائيل كانت مدعوة أن تكون قناة البركة للأمم، لكنها انكفأت على ذاتها مرارًا. ثم جاء إشعياء وأعلن عن العبد الذي يقول له الله: «قَلِيلٌ أَنْ تَكُونَ لِي عَبْدًا لإِقَامَةِ أَسْبَاطِ يَعْقُوبَ، وَرَدِّ مَحْفُوظِي إِسْرَائِيلَ. فَقَدْ جَعَلْتُكَ نُورًا لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ» (إشعياء 49:6). وحين رفض اليهود في أنطاكية بيسيدية رسالته، اقتبس بولس هذه الآية بالذات وطبّقها على خدمته (أعمال 13:47). أي أن بولس رأى نفسه امتدادًا لعمل المسيح، العبد الحقيقي، في حمل النور إلى الأمم.
وحين يصف بولس دعوته يستعمل لغة الأنبياء بشكل واعٍ: «وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ» (غلاطية 1:15). هذا صدى مباشر لدعوة إرميا: «قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ، وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلشُّعُوبِ» (إرميا 1:5). بولس لم يخترع دورًا جديدًا؛ بل دخل في تيار طويل من رجال دعاهم الله قبل أن يعرفوه.
لكنّ العهد القديم يظهر في حياة بولس بطريقة أعمق من الاقتباس. الناموس الذي أحبّه وأتقنه وحفظه بلا لوم هو الذي أعماه عن المسيح. ومن هنا خرج أثمن ما كتبه: أن الناموس صالح ومقدس، لكنه لا يقدر أن يبرّر. «وَأَمَّا النَّامُوسُ فَدَخَلَ لِكَيْ تَكْثُرَ الْخَطِيَّةُ. وَلكِنْ حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا» (رومية 5:20). لم يصل بولس إلى هذه القناعة عبر جدال أكاديمي، بل عبر اكتشاف مرعب: أنه بينما كان يظن أنه يخدم الله، كان يضطهد ابنه.
أتقنَ الناموس حتى العظم، فأعماه عن المسيح.
وهكذا يلتقي الخيطان عند الصليب. الرجل الذي بلغ قمة البرّ الذاتي هو نفسه الرجل الذي أعلن أن كل هذا البرّ نفاية. الرجل الذي حرس الحاجز بين اليهود والأمم هو نفسه الذي كتب أن المسيح «نَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ» (أفسس 2:14). كل ما وعد به الله لإبراهيم صار متاحًا للعالم كله في المسيح، وبولس هو البرهان الحي على أن نعمة الله تصل حتى إلى ألدّ أعدائها.
جوهر حياته
هناك ثلاث لحظات تحمل ثقل حياة بولس كلها، وكل واحدة منها تكشف وجهًا من دهشته التي لم تنطفئ.
اللحظة الأولى: السقوط على طريق دمشق. ليس اهتداء بالمعنى المألوف، أي انتقالًا من فراغ روحي إلى إيمان. بولس كان مؤمنًا متديّنًا غيورًا. ما حدث هو انهيار كامل لبنية حياته الأخلاقية والدينية. كان يظن أنه في الجانب الصحيح تمامًا، فاكتشف أنه في الجانب المقابل تمامًا. ثلاثة أيام بلا نظر وبلا طعام (أعمال 9:9) ليست تفصيلًا سرديًا، بل صورة لرجل يُعاد تركيبه من الداخل. حين نقرأ لاحقًا: «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غلاطية 2:20)، نفهم أنه يصف تجربته الشخصية قبل أن يصوغ عقيدة. الشاب الذي وقف عند ثياب شهود استفانوس مات فعلًا على ذلك الطريق.
اللحظة الثانية: إعادة تقييم كل شيء. في فيلبي 3:4-8 يضع بولس سيرته الذاتية على الميزان بجرأة مذهلة. يعدّد امتيازاته: «مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بَنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ بِلاَ لَوْمٍ». ثم ينقلب الميزان: «لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً». والكلمة التي يستعملها في العدد الثامن قاسية: «وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ». لم يقل إن ماضيه صار أقل قيمة، بل إنه صار خسارة صافية حين وُضع في مواجهة معرفة المسيح.
اللحظة الثالثة: الوداع من السجن. في نهاية العمر، وهو ينتظر الحكم في روما، كتب: «فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ. وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ» (2 تيموثاوس 4:6-8). لاحظ الصورة: السكيب، أي الخمر التي تُسكب على المذبح فتضيع في التراب. هذا رجل يرى موته كتقدمة لا كهزيمة. ولاحظ أيضًا أنه لم يقل «ربحت السباق» بل «أكملت السعي». المجد ليس في التفوّق بل في عدم الانسحاب.
وبين هذه اللحظات الثلاث تقع الجملة التي تلخّص الرجل: «لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ. وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا» (1 كورنثوس 15:9-10). كتب هذا بعد عشرين سنة من الخدمة. الجرح لم يُغلق، لكنه صار نافورة.
ما نتعلمه من بولس
أولًا: النعمة لا تُلغي الذاكرة، بل تحوّلها. كثيرون منا يريدون من الله أن يمحو ماضيهم كأنه لم يكن. بولس لم يطلب ذلك ولم يُعطَه. ظل يقول عن نفسه إنه «مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ» وإنه أول الخطاة: «أَنَّ الْمَسِيحَ يَسُوعَ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا» (1 تيموثاوس 1:15). كتب ذلك بصيغة الحاضر، لا الماضي. الفرق بين الشعور بالذنب والشعور بالنعمة ليس في نسيان ما فعلت، بل في أن ذكراه صارت تدفعك إلى الشكر بدل أن تسحقك.
ثانيًا: الله يعمل من خلال شخصيات صعبة، لا مثالية. بولس لم يكن سهلًا. اشتدّ خلافه مع برنابا حول مرقس حتى «حَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ» (أعمال 15:39). وواجه بطرس علنًا في أنطاكية: «قَاوَمْتُهُ مُواجَهَةً، لأَنَّهُ كَانَ مَلُومًا» (غلاطية 2:11). ووصفه خصومه بأن «حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ» (2 كورنثوس 10:10). ومع ذلك، في آخر رسالة له، طلب أن يأتوا بمرقس: «لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ» (2 تيموثاوس 4:11). النضج ليس غياب الاحتدام، بل القدرة على العودة والمصالحة.
ثالثًا: القوة تسكن في الضعف، لا بعده. طلب بولس ثلاث مرات أن تُنزع عنه «شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ» (2 كورنثوس 12:7)، فجاءه الجواب: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ» (2 كورنثوس 12:9). لم يُشفَ. تعلّم أن يعيش مع الشوكة، بل أن يفتخر بها. وهذا ربما أصعب درس في حياته كلها، لأنه يعني أن الله أحيانًا لا يزيل العائق بل يجعله المكان الذي تظهر فيه قوته.
لم تُنزع الشوكة، لكنها صارت منبرًا للنعمة.
المرآة
أنت الآن أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: ما هي «امتيازاتك» التي لم تضعها بعد على الميزان؟
ربما هي سمعتك في الكنيسة. الناس يعرفونك كشخص مستقيم، منتظم في الحضور، معروف بخدمته. وأنت في داخلك تعرف أن جزءًا كبيرًا من راحتك مبني على هذه الصورة، لا على المسيح. بولس كان «بِلاَ لَوْمٍ» أيضًا، ومع ذلك دعا كل ذلك نفاية. هل تجرؤ أن تسأل نفسك: لو خسرت مكانتي الروحية غدًا، هل يبقى لي شيء؟
وربما هي إنجازاتك في العمل، أو الشهادة التي تعبتَ سنوات لتنالها، أو المال الذي جمعته بعرقك، أو الجسد الذي تحاول أن تبقيه شابًا. لا شيء من هذا شرير في ذاته. بولس لم يقل إن أصله وتعليمه كانا خطية. قال إنهما صارا خسارة حين وُضعا في مواجهة معرفة المسيح. الخطر ليس في أن تملك هذه الأشياء، بل في أن تستمد منها هويتك.
وربما، على العكس تمامًا، أنت في الجهة الأخرى. أنت تقرأ عن بولس وتقول في نفسك: لكنني فعلت أشياء لا تُغتفر. جرحتُ أشخاصًا لا أستطيع أن أعوّضهم. خنتُ ثقة. أهملتُ أولادي سنوات. تركتُ الإيمان وعشت كما شئت. اسمع جيدًا: الرجل الذي كتب أعظم كلام عن النعمة في التاريخ كان يقف راضيًا وهم يرجمون شابًا مؤمنًا حتى الموت. لم يقل الله له «لقد كان الأمر بسيطًا». قال له: «قُمْ وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ».
الوحدة أيضًا لها مكان هنا. بولس كتب من زنزانة: «لُوقَا وَحْدَهُ مَعِي». إن كنت تخدم أو تؤمن وأنت تشعر أن أحدًا لا يراك، فأنت في صحبة جيدة. الإكليل ليس لمن نال التصفيق، بل لمن أكمل السعي.
مشروح للأطفال
كيف تحكي قصة بولس لطفل من دون أن تفقد جوهرها؟ ابدأ بالتحوّل، لأن الأطفال يفهمون التحوّل جيدًا.
قل لهم إن هناك رجلًا اسمه شاول كان يظن أنه يفعل الصواب، لكنه كان يؤذي أصدقاء يسوع ويسجنهم. وفي يوم من الأيام، وهو مسافر ليؤذي المزيد منهم، أضاء نور عظيم من السماء وسقط على الأرض. وسمع صوت يسوع يسأله: لماذا تؤذيني؟ ولم يعاقبه يسوع. بل قال له: قم، عندي عمل لك. وصار شاول، الذي عُرف بعد ذلك باسم بولس، أكثر شخص أخبر الناس عن محبة يسوع في العالم كله. سافر في سفن وسار على الطرقات وكتب رسائل، وحتى عندما وضعوه في السجن كان يكتب رسائل مليئة بالفرح.
الفكرة التي يحتاج الطفل أن يخرج بها بسيطة وعميقة معًا: يسوع لا يخاف من قصصنا القديمة، وهو قادر أن يغيّر أي إنسان مهما بدا بعيدًا. هذه رسالة تحمي الطفل لاحقًا من الاعتقاد بأن الله يحب الأولاد «الشاطرين» فقط.
على فيث نتورك تجد شروحات مخصّصة لقصة بولس حسب المرحلة العمرية: للصغار من ثلاث إلى ست سنوات بلغة القصة والصورة والحركة، ولأطفال المرحلة الابتدائية من سبع إلى اثنتي عشرة سنة مع الخريطة والرحلات والأسئلة، وللمراهقين من اثنتي عشرة سنة فما فوق مع أسئلة الهوية والضمير والشجاعة في مواجهة رأي الأصدقاء.
الأسئلة الشائعة
من هو بولس الرسول في الكتاب المقدس؟
بولس هو يهودي من طرسوس في كيليكية، فرّيسي تتلمذ على يد غمالائيل في أورشليم، وحمل الجنسية الرومانية بالولادة. بدأ حياته مضطهدًا شرسًا للكنيسة الأولى، ثم التقى بيسوع المسيح على طريق دمشق وصار رسولًا للأمم. جال في آسيا الصغرى واليونان وروما يكرز ويؤسس كنائس، وكتب رسائل تشكّل جزءًا كبيرًا من العهد الجديد. يُعتبر بعد المسيح نفسه أكثر شخصية أثّرت في انتشار الإيمان المسيحي وفي صياغة فهمنا للنعمة والتبرير بالإيمان.
لماذا تغيّر اسم شاول إلى بولس؟
لم يكن هذا تغييرًا رسميًا للاسم عند الاهتداء، كما يُظن أحيانًا. «شاول» هو اسمه العبري، نسبةً إلى الملك شاول من سبط بنيامين، سبطه نفسه؛ و«بولس» هو اسمه اللاتيني الروماني. كان من الشائع أن يحمل يهودي في العالم الروماني اسمين. يستعمل سفر الأعمال «شاول» في السياق اليهودي، ثم يبدأ باستعمال «بولس» من أعمال 13:9 فصاعدًا، أي مع بداية خدمته المكثّفة بين الأمم. التحول في الاستعمال يعكس تحوّل جمهوره، لا لحظة سحرية في تجربته.
كم رسالة كتبها بولس الرسول؟
يُنسب إلى بولس ثلاث عشرة رسالة تحمل اسمه في العهد الجديد: رومية، وكورنثوس الأولى والثانية، وغلاطية، وأفسس، وفيلبي، وكولوسي، وتسالونيكي الأولى والثانية، وتيموثاوس الأولى والثانية، وتيطس، وفليمون. أما الرسالة إلى العبرانيين فلا تذكر كاتبها، وقد نسبتها تقاليد قديمة إلى بولس بينما رأى آخرون أنها لكاتب آخر من دائرته. تُصنَّف رسائله عادةً إلى رسائل مبكرة، ورسائل السجن، والرسائل الرعوية الموجّهة إلى تيموثاوس وتيطس في أواخر حياته.
ماذا كانت «الشوكة في الجسد» التي تحدث عنها بولس؟
الكتاب المقدس لا يحدّدها، وهذا في ذاته مقصود على الأرجح. يقول بولس: «أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ لِيَلْطِمَنِي لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ» (2 كورنثوس 12:7). اقترح المفسرون مرضًا في العينين استنادًا إلى غلاطية 4:15 و6:11، أو مرضًا مزمنًا آخر، أو اضطهادًا متواصلًا، أو معارضين لا يكفّون عن مهاجمته. غموض النص يجعله قابلًا للتطبيق على كل ألم مزمن لم يُرفع رغم الصلاة، والجواب الإلهي يبقى واحدًا: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي».
هل كان بولس متزوجًا؟
لا نعرف يقينًا. في وقت كتابته رسالة كورنثوس الأولى كان بلا زوجة، إذ يقول عن غير المتزوجين والأرامل إنه حسن لهم أن يبقوا كما هو (1 كورنثوس 7:8). ويؤكد في الأصحاح نفسه أن له سلطانًا أن يجول بأخت زوجة كسائر الرسل، لكنه لم يستعمل هذا الحق. رأى بعض الدارسين أنه ربما كان أرملًا، لأن عضوية المجمع اليهودي كانت تفترض عادةً الزواج. النص لا يحسم الأمر، وبولس نفسه يعتبر العزوبة موهبة لا فضيلة إلزامية على الجميع.
كيف مات بولس الرسول؟
لا يروي الكتاب المقدس موته؛ ينتهي سفر الأعمال وهو سجين في روما يكرز بحرية. لكن رسالة 2 تيموثاوس تُظهره في سجن ثانٍ أقسى، يشعر بقرب النهاية ويكتب: «فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ». يُجمع التقليد الكنسي المبكر على أنه استُشهد في روما في عهد نيرون، على الأرجح بقطع الرأس، وهي الطريقة التي كانت تُطبَّق على المواطنين الرومان. جنسيته التي حمته مرارًا في حياته اختصرت في النهاية عذاب موته فقط.
هل ألغى بولس الناموس؟
لا. بولس يقول صراحة في رومية 7:12 إن الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة، ويسأل مستنكرًا في رومية 3:31: «أَفَنُبْطِلُ النَّامُوسَ بِالإِيمَانِ؟ حَاشَا!». ما ينفيه بولس هو أن حفظ الناموس يمكن أن يبرّر الخاطئ أمام الله، وأن على الأمم أن يصيروا يهودًا ليخلصوا. الناموس يكشف الخطية ويقود إلى المسيح، لكنه لا يمنح الحياة. والمؤمن الذي حلّ فيه الروح القدس يحيا ما يقصده الناموس من محبة، لا كوسيلة لنيل القبول بل كثمرة له.
لماذا يقول بولس عن نفسه إنه «أصغر الرسل»؟
لأنه لم ينسَ أبدًا كيف بدأ. في 1 كورنثوس 15:9-10 يربط الأمرين مباشرة: «لأَنِّي أَصْغَرُ الرُّسُلِ، أَنَا الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً لأَنْ أُدْعَى رَسُولاً، لأَنِّي اضْطَهَدْتُ كَنِيسَةَ اللهِ». وفي أفسس 3:8 يذهب أبعد فيدعو نفسه «أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ». هذا ليس تواضعًا مصطنعًا ولا جلدًا للذات، لأنه يكمل فورًا: «وَلكِنْ بِنِعْمَةِ اللهِ أَنَا مَا أَنَا». هو يقيس نفسه بالنعمة لا بالإنجاز، وكلما اتّسعت خدمته ازداد وعيه بأنها هبة لا استحقاق.
أين ذهب بولس مباشرة بعد لقائه بالمسيح؟
بحسب أعمال 9 قضى أيامًا مع التلاميذ في دمشق وبدأ يكرز في المجامع فورًا. لكنه يضيف في غلاطية 1:17 تفصيلًا مهمًا: أنه لم يصعد إلى أورشليم إلى الرسل، بل انطلق إلى العربية ثم رجع إلى دمشق، ولم يذهب إلى أورشليم إلا بعد ثلاث سنوات. يبدو أن هذه كانت فترة تأمل وإعادة قراءة للأسفار في ضوء المسيح القائم. بولس يذكر ذلك ليبرهن أن إنجيله لم يتسلّمه من إنسان، بل بإعلان من يسوع المسيح مباشرةً.
هل رأى بولس يسوع في أثناء حياته على الأرض؟
لا يوجد في الكتاب المقدس ما يثبت ذلك. كان بولس معاصرًا للمسيح وربما موجودًا في أورشليم في تلك السنوات، لكنه لا يذكر قط أنه رآه أو سمعه قبل الصليب. لقاؤه الحاسم كان بالمسيح القائم من الأموات، ويعتبره بولس نفسه ظهورًا حقيقيًا يضعه في نهاية قائمة الشهود: «وَآخِرَ الْكُلِّ كَأَنَّهُ لِلسِّقْطِ ظَهَرَ لِي أَنَا» (1 كورنثوس 15:8). على هذا اللقاء بنى ادّعاءه بالرسولية أمام من شكّكوا فيها.
ما هي رحلات بولس التبشيرية؟
يسجّل سفر الأعمال ثلاث رحلات كبرى. الأولى انطلقت من أنطاكية مع برنابا ومرقس إلى قبرص ثم إلى مدن جنوب غلاطية. الثانية شملت انفصاله عن برنابا واصطحابه سيلا، وعبوره إلى أوروبا بعد رؤيا الرجل المكدوني، فأسّس كنائس في فيلبي وتسالونيكي وبيرية، وكرز في أثينا، وأمضى سنة ونصفًا في كورنثوس. الثالثة تركزت على أفسس حيث خدم نحو ثلاث سنوات. وتُحسب رحلته الأخيرة إلى روما كسجين رحلةً رابعة، وقد تخللها غرق سفينة على شواطئ مالطة.
لماذا اختلف بولس مع برنابا؟
بعد مجمع أورشليم اقترح بولس على برنابا أن يعودا لتفقّد الكنائس التي أسّساها، فأراد برنابا أن يأخذ معهما يوحنا الملقب مرقس. رفض بولس لأن مرقس كان قد فارقهما في الرحلة السابقة ولم يكمل العمل، «فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشَاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ» (أعمال 15:39). الكتاب لا يبرّئ أحدهما ولا يدين الآخر. اللافت أن الله استخدم الانقسام فصار هناك فريقان بدل واحد، وأن بولس نفسه طلب مرقس في أواخر أيامه ووصفه بأنه نافع له للخدمة.
هل يمكن لمن ارتكب شرورًا كثيرة أن يغفر له الله كما غفر لبولس؟
هذا بالضبط هو السبب الذي جعل بولس يروي قصته مرارًا. يقول في 1 تيموثاوس 1:16 إنه نال رحمة «لِيُظْهِرَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ فِيَّ أَنَا أَوَّلاً كُلَّ أَنَاةٍ، مِثَالاً لِلْعَتِيدِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ». أي أن الله اختار أسوأ حالة ممكنة ليجعلها عيّنة معروضة أمام الجميع. المسألة ليست حجم الخطية بل حجم النعمة، والصليب أوسع من أي ماضٍ. التوبة والإيمان بيسوع المسيح يفتحان الباب نفسه الذي دخل منه مضطهد الكنيسة.
في الختام
الرجل الذي بدأ حياته حاملًا رسائل اعتقال، أنهاها كاتبًا رسائل نعمة لا تزال تُقرأ بعد ألفي سنة. وبين الحقيبة الأولى والقلم الأخير مسافة لم يقطعها بجهده، بل قُطعت به. هذا هو مفتاح بولس: لم يصر عظيمًا لأنه تجاوز ماضيه، بل لأنه ظل يتذكره كل يوم ويقف مذهولًا أمام رحمة لم يستحقها.
إن أردت أن تتابع هذا الخيط، اقرأ رسالة غلاطية كاملة في جلسة واحدة لترى غضبه المقدّس دفاعًا عن النعمة، ثم اقرأ فيلبي لترى الفرح الغريب الذي يخرج من زنزانة، ثم اجلس مع 2 تيموثاوس 4 وتأمل في رجل يكتب وداعه بيد مقيّدة وقلب حرّ. واسأل نفسك أثناء القراءة سؤالًا واحدًا: أين ما زلت أتّكل على «ربحي» بدل أن أحسبه خسارة؟
النعمة التي حوّلت شاول الطرسوسي ليست حكاية من الماضي البعيد. إنها الحقيقة نفسها التي تقف اليوم على بابك، تناديك باسمك، وتقول: قم.
