يهوذا الإسخريوطي في الكتاب المقدس
مقدمة
تخيّل أنك جلست ثلاث سنوات على مائدة واحدة مع يسوع المسيح. سمعت العظة على الجبل بأذنيك، ورأيت الأعمى يفتح عينيه أمامك، ولمست أرغفة الخمسة آلاف وهي تتكاثر بين أصابعك. أُرسلت لتكرز، وربما شفيت مرضى باسمه. ثم، في ليلة واحدة، بعت ذلك كله بثلاثين من الفضة.
هذا هو يهوذا الإسخريوطي. ليس شيطانًا نزل من السماء، ولا وحشًا غريبًا عن الجنس البشري، بل رجل عاديّ كان اسمه مكتوبًا في قائمة الاثني عشر، يمشي بجانب بطرس ويوحنا، ويؤتمن على صندوق المال. ولهذا تحديدًا قصته مرعبة: لأنها ليست بعيدة عنا بقدر ما نحب أن نظن.
في هذه الصفحة سنتتبّع حياته من أول ذكر لاسمه إلى آخر نفس في حقل الدم، ونسأل السؤال الذي يتهرّب منه الكثيرون: متى بدأ السقوط فعلًا؟
زاوية هذا الدليل
أكثر ما يُكتب عن يهوذا يبدأ من ليلة الخيانة. نحن نبدأ من قبلها بكثير: من الصندوق. يقول يوحنا إنه "كان سارقا وكان الصندوق عنده"، أي أن يهوذا كان يسرق شهورًا، وربما سنوات، قبل أن يقبض الثلاثين من الفضة. هذه الصفحة تقرأ حياته كانحدار صامت لا كسقطة مفاجئة: خيانة صغيرة متكرّرة في الخفاء، نضجت أخيرًا في قُبلة في البستان. ومن هنا أيضًا نقرأ نهايته، لنرى الفرق الحاسم بين النَّدم الذي يقتل والتوبة التي تُحيي. هذا الفرق هو الذي يفصل يهوذا عن بطرس، ويفصل الموت عن الرجاء.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن يهوذا الإسخريوطي؟
يظهر اسم يهوذا في كل قوائم الرسل الأربع في العهد الجديد، وفي كل مرة يُذكر أخيرًا، مع ملاحظة مؤلمة ملحقة به: "ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه" (متى 10:4). اسمه الأول، "يهوذا"، اسم مبارك يعني "يُحمد الله"، وهو اسم سبط المُلك الذي منه جاء المسيح نفسه. أما "الإسخريوطي" فأرجح تفسيراتها أنها تعني "رجل قريوت"، بلدة في جنوب يهوذا، مما يجعله على الأغلب اليهوديّ الوحيد بين تلاميذ جليليّين. اسم جميل، وأصل محترم، ومركز رسولي. ومع ذلك انتهى إلى ما انتهى إليه.
الكتاب لا يخفي أن يسوع المسيح عرف قلبه من البداية. في يوحنا 6:70-71 نقرأ: "أجابهم يسوع: أليس أني أنا اخترتكم الاثني عشر؟ وواحد منكم شيطان! قال عن يهوذا سمعان الإسخريوطي، لأن هذا كان مزمعا أن يسلمه، وهو واحد من الاثني عشر." ومع هذه المعرفة المسبقة، ائتمنه الرب على الصندوق، وغسل قدميه، وأجلسه إلى مائدته. لم يُقصَ يهوذا من النعمة؛ هو الذي انسحب منها.
النافذة الأوضح على قلبه يفتحها يوحنا في بيت عنيا، حين سكبت مريم طيب الناردين على قدمَي يسوع. اعترض يهوذا بحجة اجتماعية نبيلة: لماذا لم يُبَع هذا الطيب ويُعطَ للفقراء؟ ثم يعلّق الإنجيلي بجملة تكشف كل شيء: "قال هذا ليس لأنه كان يبالي بالفقراء، بل لأنه كان سارقا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يلقى فيه" (يوحنا 12:6). لاحظ الفعل: كان يسرق، بصيغة الاستمرار. هذه ليست زلّة، بل عادة. ولاحظ الغطاء: لغة تقوية عن الفقراء تُخفي يدًا داخل الصندوق.
الخيانة الكبرى تُبنى من سرقات صغيرة لا يراها أحد.
بعد ذلك يأتي القرار. يسجّل متى 26:14-15: "حينئذ ذهب واحد من الاثني عشر، الذي يدعى يهوذا الإسخريوطي، إلى رؤساء الكهنة وقال: ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟ فجعلوا له ثلاثين من الفضة." وكلمة "حينئذ" مهمة: جاءت مباشرة بعد مشهد الطيب. الرجل الذي غضب لأن ثلاثمئة دينار ضاعت، ذهب ليقبض ثلاثين قطعة. ويوجز مرقس 14:10 الأمر بجملة باردة: "ثم إن يهوذا الإسخريوطي، واحد الاثني عشر، مضى إلى رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم." يكرّر الإنجيليون عبارة "واحد من الاثني عشر" كأنهم لا يصدّقونها.
أما البُعد الروحي فيكشفه لوقا 22:3: "فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي، وهو من جملة الاثني عشر." ودخول الشيطان هنا ليس اقتحامًا لبيت مغلق، بل دخولًا من باب فُتح طوعًا على مصراعيه بسنوات من الجشع المستور. ويكرّر يوحنا المشهد في العلية: "فبعد اللقمة دخله الشيطان. فقال له يسوع: ما أنت تعمله فاعمله بأكثر سرعة" (يوحنا 13:27). اللقمة كانت إشارة كرامة تُقدَّم لضيف عزيز، وقد قدّمها يسوع ليهوذا كآخر نداء محبة. وفي اللحظة نفسها التي رفض فيها هذه اللقمة الأخيرة، أغلق الباب خلفه. ويختم يوحنا المشهد بأربع كلمات لا تُنسى: "وكان ليلا" (يوحنا 13:30).
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
قصة يهوذا ليست حادثًا عارضًا في آخر أسبوع من حياة المسيح؛ إنها فصل في قصة قديمة قدم الجنة الأولى. منذ تكوين 3 والخيانة تدخل عبر أقرب المقرّبين. قايين قتل أخاه، وإخوة يوسف باعوه بعشرين من الفضة، وأخيتوفل مشير داود الأمين انقلب عليه مع أبشالوم ثم مضى وخنق نفسه (2 صموئيل 17:23). كل هذه الصور تجتمع وتتكثّف في رجل واحد على مائدة العشاء الأخير.
المزامير تحمل الخيط بوضوح خاص. يكتب داود في مزمور 41:9: "أيضا رجل سلامتي الذي وثقت به، آكل خبزي، رفع علي عقبه." ويسوع المسيح يقتبس هذه الآية بنفسه في العلية، مطبّقًا إياها على يهوذا: "لست أقول عن جميعكم. أنا أعلم الذين اخترتهم. لكن ليتم الكتاب: الذي يأكل معي الخبز رفع علي عقبه" (يوحنا 13:18). الألم هنا ليس ألم عدوّ خارجي، بل ألم صديق شارك الخبز. وحين اقتبس بطرس في أعمال 1:20 من المزامير: "لتصر داره خرابا ولا يكن فيها ساكن. وليأخذ وظيفته آخر"، كان يقول للكنيسة الأولى إن ما حدث لم يُفاجئ الله.
ثم هناك زكريا. في زكريا 11:12-13 يُوزن للراعي الصالح أجرٌ مهين: "فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب: ألقها إلى الفخاري، الثمن الكريم الذي ثمنوني به." ثلاثون من الفضة كانت في خروج 21:32 ثمن العبد الذي ينطحه ثور. هذا هو السعر الذي وُضع على ابن الله. والمدهش أن النبوّة تكتمل حرفيًا حين ألقى يهوذا الفضة في الهيكل، واشترى بها رؤساء الكهنة حقل الفخاري مقبرةً للغرباء (متى 27:7-10).
وهنا يلتقي الخيطان: مسؤولية الإنسان الكاملة وسيادة الله الكاملة. يقول بطرس في أعمال 2:23: "هذا أخذتموه مسلما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه." الجملة نفسها تحمل الحقيقتين دون أن تُلغي إحداهما الأخرى. الله لم يجبر يهوذا على الجشع، ويهوذا لم يُفلت من خطة الله. وفي النهاية، هذا الخيط لا ينتهي عند خيانة، بل عند صليب: الطعنة التي جاءت من صديق صارت الباب الذي دخل منه خلاصنا. الدم الذي بيع بثلاثين من الفضة اشترى كنيسة لا تُقدَّر بثمن.
جوهر حياته
هناك ثلاث لحظات تختصر مسيرة يهوذا، وكل واحدة منها تكشف طبقة أعمق من الانحدار الصامت.
اللحظة الأولى: الصندوق. لم يبدأ سقوطه بقرار مصيري، بل بيد امتدّت إلى مال ليس لها. لم يكن أحد يعلم؛ لا بطرس، ولا يوحنا، ولا أحد من الجموع. ولكن كل مرة كان يأخذ فيها، كان شيء فيه يموت قليلًا. لهذا حين اعترض في بيت عنيا، خرج الاعتراض بلغة دينية مهذّبة: "لماذا لم يبع هذا الطيب بثلاث مئة دينار ويعط للفقراء؟" (يوحنا 12:5). الخطية التي تُخفى طويلًا تتعلّم أن تتكلم لغة التقوى. وحين كتب يوحنا بعد عقود، كتب الحقيقة بلا تجميل: "بل لأنه كان سارقا" (يوحنا 12:6). في تلك الغرفة، رأت مريم في يسوع ما يستحق أن يُسكب كله عليه، ورأى يهوذا فيه ما يمكن أن يُحوَّل إلى نقد. المسافة بين الاثنين هي المسافة بين العبادة والاستعمال.
اللحظة الثانية: الصفقة. "ماذا تريدون أن تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟" (متى 26:14-15). هذه أخطر جملة نطق بها يهوذا، لأنها تحوّل شخصًا إلى سلعة. لم يسأل: ما الصواب؟ بل: ما المقابل؟ ومنذ تلك اللحظة، يقول متى، "كان يطلب فرصة ليسلمه." صار كل يوم مع يسوع تمثيلية، وكل مائدة كمينًا مؤجّلًا. ثم جاءت العلية، حيث غسل المسيح قدميه أيضًا، وحيث سأله يهوذا بوقاحة النفاق: "هل أنا هو يا سيدي؟" لاحظ أنه وحده بين التلاميذ قال "يا سيدي" ولم يقل "يا رب". ثم في البستان اختار أبشع علامة ممكنة: قُبلة. فأجابه يسوع بسؤال يكسر القلب: "يا يهوذا، أبقبلة تسلم ابن الإنسان؟" (لوقا 22:48). حتى في لحظة التسليم، ناداه باسمه.
اللحظة الثالثة: الحبل. حين رأى يهوذا أن يسوع قد دين، انهار كل شيء: "ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ قائلا: قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا" (متى 27:3-4). لاحظ أنه اعترف بالخطية، واعترف ببراءة المسيح، ورفض المال. كل هذا صحيح، ومع ذلك لم يكن توبة. لأنه عاد إلى رؤساء الكهنة، لا إلى المخلّص. ثم "طرح الفضة في الهيكل وانصرف، ثم مضى وخنق نفسه" (متى 27:5). أما بطرس فأنكر ربه ثلاث مرات في الليلة نفسها، وخرج وبكى بكاءً مرًّا، ثم رجع. الفرق ليس في حجم الخطية، بل في وجهة الالتفات.
ما نتعلمه من يهوذا الإسخريوطي
أولًا: القرب من الأشياء المقدسة ليس خلاصًا. كان يهوذا في الدائرة الأضيق حول يسوع المسيح. سمع أكثر مما سمع أي واعظ اليوم، ورأى أكثر مما رأينا جميعًا. ومع ذلك هلك. هذا تحذير للمداومين على الاجتماعات، للخدّام، للمرنّمين، لمن حفظوا آيات كثيرة. الانتماء الظاهري إلى الجماعة ليس بديلًا عن قلب تغيّر. الرب لا يسأل: كم مرة جلست على المائدة؟ بل: هل أحببتني؟
ثانيًا: الخطية المخبّأة تصنع مكانًا يجلس فيه الشيطان. ما بين يوحنا 12:6 ولوقا 22:3 مسافة زمنية ومنطقية. حين نقرأ: "فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي"، لا نقرأ عن هجوم مفاجئ على رجل بريء، بل عن احتلال أرض سُلِّمت قطعة قطعة. الحسابات السرية، والنظرات المستورة، والكلمات المزدوجة، والعادات التي "لا يعرفها أحد" هي التي تُعدّ الغرفة. من يحفظ خطية في الخفاء يبني بيتًا لضيف لا يريده.
ثالثًا: النَّدم ليس توبة. هذا أعمق درس في القصة كلها. يهوذا ندم، لكن ندمه دفعه إلى الحبل لا إلى القدمين المثقوبتين. يكتب بولس في 2 كورنثوس 7:10: "لأن الحزن الذي بحسب مشيئة الله ينشئ توبة لخلاص بلا ندامة، وأما حزن العالم فينشئ موتا." حزن العالم يدور حول الذات: خسرتُ، فُضحت، لا أطيق نفسي. أما الحزن الإلهي فيدور حول الله: أخطأت إليك، وأنت وحدك تقدر أن تغفر. اليأس قد يبدو تواضعًا، لكنه في العمق كبرياء يقول إن خطيتي أكبر من دم المسيح. لا توجد خطية أكبر من الصليب الذي حملها. لو ذهب يهوذا إلى الجلجثة بدل حقل الدم، لسمع الكلمة نفسها التي سمعها اللص: "اليوم تكون معي في الفردوس" (لوقا 23:43).
المرآة
قد تقرأ هذه القصة وأنت مطمئن، لأنك لم تبِع أحدًا بثلاثين من الفضة. لكن اسأل نفسك سؤالًا أصعب: أين صندوقك؟ أين المكان الصغير الذي تمدّ إليه يدك وأنت واثق أن لا أحد سيعرف؟ ربما ساعات عمل تسجّلها ولم تعملها. ربما ضريبة تتحايل عليها. ربما نافذة تفتحها على هاتفك بعد أن ينام البيت. ربما قصص صغيرة تحسّن بها صورتك أمام إخوتك في الكنيسة. لم تسقط بعد، تقول لنفسك، ولكن السقوط لا يبدأ من القاع؛ يبدأ من أول درجة تنزلها في الظلام.
واسأل نفسك أيضًا: كيف تنظر إلى يسوع المسيح؟ هل هو من تسكب حياتك عند قدميه، أم هو وسيلة تحسب عائدها؟ يهوذا لم يكن ملحدًا، بل كان يستعمل الرب لمشروع خاص. ونحن نفعل ذلك بطرق مهذّبة: نتبعه لأنه يريحنا، لأنه قد يصلح الزواج، لأنه قد يفتح الباب المسدود. وحين لا يسير الأمر كما رسمنا، نبدأ في المساومة بهدوء.
ثم هناك السؤال الأخير، وهو الأرحم: ماذا تفعل حين تسقط فعلًا؟ ربما تحمل الآن شيئًا تظن أن الله لا يستطيع أن يغفره. ربما صوت في داخلك يقول: فات الأوان، أنت أفسدت كل شيء. اسمع بوضوح: الفرق بين يهوذا وبطرس لم يكن في نقاء أحدهما، بل في اتجاه خطواته بعد السقوط. واحد مضى إلى الحبل، والآخر رجع إلى الرب على شاطئ بحيرة وأكل خبزًا من يديه. المسيح لا يزال يمدّ اللقمة. لا تخرج إلى الليل.
مشروح للأطفال
قصة يهوذا من أصعب القصص التي نرويها للأطفال، لأنها لا تنتهي نهاية سعيدة. لكن تجنّبها يحرم الصغار من درس ثمين عن القلب والأمانة. أبسط طريقة لشرحها هي البدء من الصندوق: كان ليسوع اثنا عشر صديقًا مقرّبًا، وكان واحد منهم مسؤولًا عن حقيبة النقود، وكان يأخذ منها في الخفاء قليلًا قليلًا، وظنّ أن لا أحد يعرف. ومع الوقت صار قلبه يحب المال أكثر مما يحب يسوع، حتى فعل شيئًا حزينًا جدًا: سلّم يسوع لأعدائه مقابل قطع من الفضة.
المهم ألا نتوقف عند الحزن. اشرح للطفل أن بطرس أيضًا أخطأ في تلك الليلة، لكنه عاد إلى يسوع وقال: أنا آسف، فسامحه يسوع وأحبّه واستعمله. الفرق أن يهوذا هرب، وبطرس رجع. هذه هي رسالة القصة للأطفال: مهما أخطأت، ارجع دائمًا إلى يسوع، لأنه يفرح حين نرجع.
من المفيد أيضًا ربط القصة بالحياة اليومية: الأشياء الصغيرة التي نخفيها، وقيمة الصدق حتى حين لا يرانا أحد. وعلى موقعنا تجد شروحات مخصّصة لهذه القصة بحسب الأعمار: نسخة مبسّطة جدًا لمن هم بين الثالثة والسادسة تركّز على الأمانة والرجوع، ونسخة للمرحلة الابتدائية بين السابعة والثانية عشرة تدخل في تفاصيل الأحداث، ونسخة للمراهقين من الثانية عشرة فما فوق تناقش أسئلة أصعب مثل مسؤولية يهوذا وسيادة الله والفرق بين الندم والتوبة.
الأسئلة الشائعة
من هو يهوذا الإسخريوطي؟
يهوذا الإسخريوطي هو أحد تلاميذ يسوع المسيح الاثني عشر، وهو الذي سلّمه إلى رؤساء الكهنة مقابل ثلاثين من الفضة. يظهر اسمه في قوائم الرسل في متى 10 ومرقس 3 ولوقا 6 وأعمال 1، ودائمًا في الموضع الأخير مع إشارة إلى خيانته. كان أمين صندوق المجموعة، وكان يسرق منه بحسب يوحنا 12:6. انتهت حياته بالانتحار بعد أن ندم على ما فعل، ورُدَّ مكانه في دائرة الرسل إلى متياس بعد قيامة المسيح وصعوده.
ماذا يعني اسم "الإسخريوطي"؟
أرجح تفسير للاسم أنه تعريب لعبارة عبرية تعني "رجل قريوت"، وقريوت بلدة في جنوب أرض يهوذا تُذكر في يشوع 15:25. إن صحّ هذا، فيهوذا هو على الأرجح التلميذ اليهوديّ الوحيد بين رسل جليليّين، مما قد يفسّر شيئًا من شعوره بالتميّز أو بالغربة. هناك تفسير آخر أقل قبولًا يربط الاسم بكلمة تعني "الخنجر" أو بجماعة المتعصّبين الثوريين. أما اسمه الأول "يهوذا" فاسم شريف يعني "يُحمد الله"، ويحمله سبط المُلك الذي جاء منه المسيح.
لماذا خان يهوذا يسوع؟
يقدّم الكتاب المقدس سببين متشابكين. الأول هو حب المال: كان سارقًا يحمل الصندوق (يوحنا 12:6)، وبادر هو بالسؤال "ماذا تريدون أن تعطوني" (متى 26:15). والثاني هو التسليم لعمل إبليس، إذ يقول لوقا 22:3: "فدخل الشيطان في يهوذا الذي يدعى الإسخريوطي، وهو من جملة الاثني عشر." يفترض بعض الدارسين أيضًا أن يهوذا كان يتوقع مسيّحًا سياسيًا يطرد الرومان، فخاب أمله حين تكلم يسوع عن الصليب. لكن الكتاب نفسه يركّز على الطمع والقلب المستسلم للشرير.
كم كان ثمن خيانة يسوع وما قيمته؟
ثلاثون من الفضة، بحسب متى 26:15. وهو مبلغ رمزيّ مهين، إذ كان في شريعة موسى ثمن العبد الذي يقتله ثور (خروج 21:32)، وهو المبلغ الوارد في نبوّة زكريا 11:12-13 عن الراعي المرفوض. لو كانت القطع من شواقل الفضة، فالمبلغ يساوي أجر نحو ثلاثة أو أربعة أشهر عمل لعامل عادي، أي مبلغ محترم لكنه تافه مقابل حياة إنسان، فضلًا عن ابن الله. المقارنة مؤلمة: طيب مريم قُدِّر بثلاث مئة دينار، وسيّدها بثلاثين من الفضة.
ما معنى أن الشيطان دخل في يهوذا؟
تذكر الأناجيل ذلك مرتين: في لوقا 22:3 قبل الاتفاق مع رؤساء الكهنة، وفي يوحنا 13:27 في العلية: "فبعد اللقمة دخله الشيطان." هذا لا يعني أن يهوذا صار ضحية بلا إرادة، لأن يوحنا 13:2 يقول إن الشيطان "ألقى في قلب يهوذا" الفكرة أولًا، أي أنه قدّم اقتراحًا وقَبِله يهوذا. الدخول هو نتيجة أبواب فُتحت طوعًا عبر جشع طويل مستور. الله لا يُسلِّم أحدًا لإبليس قسرًا؛ لكن من يصرّ على الخطية في الخفاء يُهيّئ لنفسه مكانًا خطيرًا.
هل كان يهوذا مخلّصًا ثم فقد خلاصه؟
الشهادة الكتابية تدل على أنه لم يكن مؤمنًا حقيقيًا في أي وقت. يقول يسوع في يوحنا 6:70: "وواحد منكم شيطان"، ويقول في يوحنا 17:12 إن الذين أعطاهم الآب حفظهم "ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك ليتم الكتاب". وفي أعمال 1:25 يقال إنه "ذهب إلى مكانه"، أي إلى المكان الذي يناسب قلبه. كان يهوذا رسولًا في الوظيفة، لكنه لم يكن تلميذًا في القلب. وهذا يذكّرنا بكلمة المسيح في متى 7:22-23 عن أناس يعملون أعمالًا باسمه ولا يعرفهم.
كيف مات يهوذا الإسخريوطي، وهل يتناقض متى مع سفر الأعمال؟
يقول متى 27:5: "فطرح الفضة في الهيكل وانصرف، ثم مضى وخنق نفسه." ويقول أعمال 1:18: "فإن هذا اقتنى حقلا من أجرة الظلم، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط، فانسكبت أحشاؤه كلها." لا تناقض هنا، بل روايتان متكاملتان: متى يذكر الوسيلة، وبطرس يذكر النتيجة المروّعة كما شاعت في أورشليم، إذ سقط الجسد المعلّق بعد انقطاع الحبل أو انحلال الجسم على صخور الوادي. أما "اقتنى حقلًا" فتعني أن الحقل اشتُري بماله، كما يوضح متى 27:7.
ما هو حقل الدم؟
هو الحقل الذي اشتراه رؤساء الكهنة بالثلاثين من الفضة التي طرحها يهوذا في الهيكل. يروي متى 27:6-8 أنهم رفضوا إدخال المال إلى خزانة الهيكل لأنه "ثمن دم"، فاشتروا به حقل الفخاري ليكون مقبرة للغرباء، "فلذلك سمي ذلك الحقل حقل الدم إلى هذا اليوم". ويسمّيه بطرس في أعمال 1:19 بالاسم الآرامي "حقل دما". والمفارقة مرّة: المال الذي طلبه يهوذا لنفسه انتهى إلى قبر للغرباء، وإلى قبر له.
ما الفرق بين إنكار بطرس وخيانة يهوذا؟
الفرق ليس في حجم السقوط بل في الاتجاه بعده. كلاهما تعرّض لعمل الشيطان، وكلاهما فشل في الليلة نفسها، لكن بطرس "خرج إلى خارج وبكى" ثم رجع إلى المسيح، أما يهوذا فرجع إلى رؤساء الكهنة ثم مضى وخنق نفسه. صلّى يسوع لأجل بطرس: "ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" (لوقا 22:32). يقول 2 كورنثوس 7:10 إن حزن الله ينشئ توبة للخلاص، أما حزن العالم فينشئ موتًا. هذا بالضبط ما يفرّق بين الرجلين.
هل كان يهوذا مجبرًا على خيانة يسوع لتتم النبوّات؟
لا. يعلّم الكتاب المقدس أن الله أعلن مسبقًا ما سيحدث، لكنه لم يجبر يهوذا على الشر. يجمع بطرس الحقيقتين في أعمال 2:23: "هذا أخذتموه مسلما بمشورة الله المحتومة وعلمه السابق، وبأيدي أثمة صلبتموه وقتلتموه." الله استخدم شرًّا اختاره يهوذا بحرّيته الكاملة، وسخّره لأعظم خير. ولذلك يبقى الويل قائمًا عليه كما قال المسيح في متى 26:24: "ويل لذلك الرجل الذي به يسلم ابن الإنسان." معرفة الله السابقة لا تُلغي مسؤوليتنا أبدًا.
هل كان يمكن أن يُغفر ليهوذا لو تاب؟
نعم، بكل تأكيد. لم يكن يهوذا خارج دائرة النعمة بسبب فظاعة خطيته، بل بسبب رفضه أن يذهب إلى المخلّص. في اليوم نفسه غُفر للص على الصليب، وبعد أسابيع غُفر لجمهور في أورشليم شارك في صلب المسيح وقال لهم بطرس: "توبوا وليعتمد كل واحد منكم" (أعمال 2:38). ما أهلك يهوذا هو أنه اعترف بخطئه لرؤساء الكهنة ولم يرفع عينيه إلى الجلجثة. دم المسيح الذي بيع بثلاثين من الفضة كان كافيًا لغفران خيانة بائعه.
لماذا اختار يسوع يهوذا رسولًا وهو يعرف نهايته؟
اختاره بإرادة معلنة وواعية، كما يقول في يوحنا 6:70: "أليس أني أنا اخترتكم الاثني عشر؟ وواحد منكم شيطان!" وفي ذلك دروس عدة. أولًا، ليتم الكتاب المكتوب عن صديق يأكل الخبز ويرفع عقبه (مزمور 41:9). ثانيًا، ليُظهر أن الله يحقّق خطة الخلاص عبر أشرّ الأفعال دون أن يشترك في الشر. ثالثًا، ليكون في قلب الكنيسة كلها تحذير دائم من الاتّكال على المركز والخدمة. رابعًا، لنرى طول أناة المسيح، إذ غسل قدمَي خائنه وقدّم له اللقمة.
ما علاقة يهوذا بمتياس؟
بعد صعود المسيح، قاد بطرس الجماعة إلى اختيار خليفة ليهوذا، مستندًا إلى المزامير: "وليأخذ وظيفته آخر" (أعمال 1:20). كان الشرط أن يكون المرشّح قد رافق التلاميذ من معمودية يوحنا حتى القيامة، ليكون شاهدًا موثوقًا. رُشِّح رجلان، يوسف الملقب بارسابا ومتياس، ثم صلّوا وألقوا قرعة، فوقعت على متياس "فحسب مع الأحد عشر رسولا" (أعمال 1:26). بهذا اكتمل عدد الاثني عشر قبل يوم الخمسين، كعلامة على إسرائيل الجديد الذي يُبنى على شهادة الرسل.
في الختام
الدرس الأخطر في قصة يهوذا الإسخريوطي ليس أن رجلًا شريرًا فعل شيئًا شريرًا، بل أن رجلًا عاديًا جدًا انحدر ببطء شديد حتى وصل إلى ما لم يكن يتخيّله يومًا. بدأ الأمر بيد في صندوق، واستمر بكلمات تقوية تخفي قلبًا منقسمًا، وانتهى بقبلة في بستان وحبل في حقل. لم يستيقظ صباحًا وقرّر أن يبيع ابن الله؛ بل تدرّب على ذلك في الخفاء لسنوات.
ولهذا فإن السؤال الذي تتركه هذه القصة في يدك ليس "كيف أمكنه أن يفعل ذلك؟" بل "ما الذي أخفيه أنا اليوم؟" وحين تأتيك الإجابة، لا تمضِ إلى حيث مضى يهوذا. تعال بها إلى النور، إلى الرب الذي ما زال يمدّ اللقمة، وإلى الصليب الذي يتّسع لخطية أكبر من خطيتك.
إن أردت أن تتابع الخيط أكثر، اقرأ يوحنا 13 كله في جلسة واحدة، ثم اقرأ يوحنا 21 حيث يُرمّم المسيح بطرس على الشاطئ. بين الفصلين تقع المسافة كلها: بين من خرج إلى الليل، ومن رجع فوجد فطورًا مُعدًّا وربًّا ينتظره.
