كولوسي 4
النص
يختم بولس رسالته بنداءات عملية: على السادة أن يعاملوا عبيدهم بالعدل، وعلى الجميع أن يواظبوا على الصلاة بشكر ويقظة. يطلب منهم أن يصلّوا لأجله ليُفتح له باب للكلام بسرّ المسيح، ثم يمرّر سلامات مطوّلة من رفاق دربه: تيخيكس، أُنسيمس، أرسترخس، مرقس، لوقا، أبفراس، وآخرين. ينتهي كل شيء بجملة قصيرة مكتوبة بيده: "اذكروا وُثُقي. النعمة معكم."
القلب
ثمة شيء غريب في هذا الأصحاح: بعد ثلاثة أصحاحات من اللاهوت الشامخ عن المسيح الذي "فيه خُلق الكل"، يهبط النص فجأة إلى أسماء بشر، إلى قيود سجن، إلى طلب صلاة متواضع. وكأن بولس يقول لنا إن السرّ العظيم للمسيح لا يعيش في السماء وحدها، بل يتجسّد في تيخيكس الذي يحمل الرسالة، في أبفراس الذي يجاهد بالصلاة، في أرخبس الذي يحتاج أن يُذكَّر بخدمته. الإنجيل يسير على أقدام بشرية، ويُنقل عبر شبكة من العلاقات المُتعبة والأمينة. هذا ليس ملحقاً للرسالة؛ هذا هو شكل الرسالة حين تصير جسداً.
الخيط المشترك
"سرّ المسيح، الذي من أجله أنا موثَق أيضاً." هنا يتقاطع خيطان: مجد المسيح وقيود رسوله. الذي كان مربوطاً على الصليب صار يربط رسوله بالسلاسل، ومع ذلك يُسمّي بولس هذا كله باباً مفتوحاً للكلام. هذا هو منطق الملكوت المقلوب الذي يتغلغل في كل الكتاب: القيود تُفتح أبواباً، والضعف يصير منبراً. وحين يقول للسادة إن "لكم أنتم أيضاً سيداً في السماوات"، فإنه يهدم في جملة واحدة كل هرم بشري. المسيح المرفوع في الأصحاح الأول يعود هنا سيداً على السادة أنفسهم.
المرآة
"ليكن كلامكم كل حين بنعمة، مُصلَحاً بملح." توقّف عند هذه الجملة. كم من كلماتنا اليوم كانت بنعمة؟ كم منها كانت لها ملوحة، أي طعم ومعنى، لا مجرد ثرثرة؟ نعيش في زمن فائض بالكلام، رخيص وسريع، على الشاشات وفي العائلة وفي الكنيسة. وبولس يطلب شيئاً نادراً: كلاماً يحمل نعمة وملحاً معاً، ليّناً وحاداً في آن. ثم هناك أرخبس، الذي يحتاج أن يُقال له من الخارج: "انظر إلى الخدمة التي قبلتها". أليس فينا خدمة قبلناها وتركناها تذبل؟ من هو أرخبس الذي فيك؟
الشخصية الرئيسية
لنتأمل أبفراس لحظة. لم يُذكر كثيراً في العهد الجديد، لكن بولس يقول عنه: "مجاهد كل حين لأجلكم بالصلوات، لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كل مشيئة الله". الكلمة "مجاهد" ثقيلة؛ الصلاة عنده ليست ممارسة تقوية هادئة، بل معركة. أبفراس بعيد عن كولوسي، لا يستطيع أن يعلّم أو يوبّخ أو يعزّي وجهاً لوجه، فما الذي يبقى له؟ الصلاة. وهو يمارسها كأنها العمل الحقيقي، لا البديل عنه. في زمن نظنّ فيه أن الفعالية تُقاس بالحضور والصوت، يقف أبفراس شاهداً على أن الجهاد الأعمق قد يحدث في الخفاء، على الركبتين، لأجل أناس لا يعرفون أن أحداً يحمل أسماءهم أمام الله.
التناص
حين يقول بولس "مفتدين الوقت"، يتردّد صدى ما قاله في أفسس 5: "لأن الأيام شريرة". الوقت ليس محايداً؛ إنه ساحة تحتاج إلى افتداء، إلى انتزاع من قبضة الخواء. ثم هناك ذكر ديماس، بلا لقب، بلا وصف حار. وفي 2 تيموثاوس 4 نقرأ لاحقاً: "لأن ديماس قد تركني، إذ أحبّ العالم الحاضر". هنا في كولوسي اسمه بارد؛ هناك سيصير خيبة. الكتاب المقدس لا يخفي هذه المفارقات. الأسماء التي تقف اليوم بجانب بولس قد لا تصمد كلها. وهذا يجعل ثبات الآخرين، أبفراس، لوقا، تيخيكس، أكثر مجداً.
اللمحة
تخيّل الجماعة في كولوسي، جماعة صغيرة في مدينة فريجية لم يزرها بولس شخصياً. تصلهم رسالة من رجل مسجون في رومية، عبر تيخيكس المُتعب من السفر. يجتمعون في بيت ما، ربما بيت نمفاس المذكور في لاودكية، وتُقرأ الرسالة بصوت عال. يسمعون أسماءهم مذكورة، يسمعون أن أبفراس، ابن مدينتهم، يجاهد لأجلهم من بعيد. يسمعون في النهاية: "اذكروا وُثُقي." وحين تنتهي القراءة، يعلمون أنها ستُرسَل إلى لاودكية أيضاً، وأن رسالة أخرى ستأتيهم من هناك. لم تكن الكنيسة الأولى شبكة مؤسسات؛ كانت شبكة أسماء وأجساد ورسائل تنتقل من يد إلى يد، تحمل سرّ المسيح في أوعية خزفية.
للتأمل
ما هو "بابٌ للكلام" تصلّي أن يفتحه الرب لك هذه الأيام، ولمن تحتاج أن تصلّي أن يُفتح له باب؟
لو كتب بولس اليوم سطراً واحداً عنك في ختام رسالة، كما كتب عن أبفراس أو ديماس أو أرخبس، فما الذي تتمنى أن يقوله، وما الذي تخشى أن يقوله؟
كتب مسيحية تستحق القراءة
كتب مختارة بعناية ومتوفرة بلغتك.
Faith.network earns a small commission on Kobo purchases made through these links, at no extra cost to you. It helps keep the studies free.
أسئلة شائعة حول Colossians 4
إجابات سريعة على أكثر الأسئلة شيوعًا حول هذا المقطع من الكتاب المقدس.
ما معنى كولوسي 4؟
عمّ يتحدث كولوسي 4؟
ما هو السياق التاريخي لـ كولوسي 4؟
ماذا يعلّمنا كولوسي 4 عن صفات الله؟
كيف لا يزال كولوسي 4 ذا صلة بحياتنا اليوم؟
ما يشاركه المجتمع حول Colossians 4
تأملات وصلوات وشكر من القراء وفريق التحرير حول هذا المقطع.
يا رب، ذكّرني أن كل من يعمل تحت يدي هو إنسان تحبه، لا أداة لخدمة أهدافي. علّمني أن أعطي بعدل وإنصاف، وأن أتكلم بلطف حين تكون لي سلطة. فأنا أيضًا لي سيد في السماء، وأمامك أقف في النهاية.
يسلّم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس." اسمان في سطر واحد، وسلامٌ واحد. لكن لوقا بقي حتى النهاية، وديماس كُتب عنه لاحقًا: "لأن ديماس قد تركني، إذ أحب العالم الحاضر". أن تكون اليوم في صفّ المحبين لا يعني أن النهاية مضمونة. كل يوم تختار من جديد أن تبقى. فأين قلبك الآن، مع المسيح أم مع العالم الحاضر؟
بولس في السجن، ومع ذلك يفكّر كيف يعزّي قلوب غيره. يرسل تيخيكس "لهذا عينه ليعرف أحوالكم ويعزي قلوبكم". لاحظ الترتيب: أولاً أن يعرف أحوالك، ثم يعزّيك. لا تعزية حقيقية من بعيد، بل من إنسان يجلس معك ويسمع. هل هناك أحد ينتظر منك هذه الزيارة اليوم، وأنت مشغول بأحوالك؟
مرقس هو الذي تركهم في بمفيلية، والذي بسببه احتدّ الخلاف حتى افترق بولس وبرنابا. والآن يكتب بولس من سجنه: "إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَاقْبَلُوهُ". صار الفاشل السابق رسالة سلام إلى كنيسة كاملة. من هو مرقسك؟ ذاك الذي خذلك مرة، وما زلت تحمل اسمه في خانة المرفوضين؟ نعمة الله تعيد كتابة السِيَر، فهل تعيد أنت فتح الباب؟
اكتشف هذا المقطع بمستوى مختلف
مبتدئ، لاهوتي، أو طول قراءة مختلف؟ اضبط الإعدادات وأنشئ نسختك الخاصة.
افتح في أداة الدراسة
