إنجيل لوقا
مقدمة
تصوّر رجلاً محترمًا في مدينة يونانية، اسمه ثاوفيلس. سمع كثيرًا عن يسوع الناصري: قصصًا متناقلة، عظاتٍ حماسية، شهاداتٍ متفرقة. وفي قلبه سؤال لا يجرؤ على قوله بصوت عالٍ: هل هذا كله حقيقي؟ هل ما بنيتُ عليه حياتي مجرد إشاعة جميلة؟
ولأن الله لا يستحي من أسئلة المرتابين، وضع في قلب طبيبٍ رفيقٍ للرسول بولس أن يجلس، ويجمع الشهادات، ويرتّبها، ويكتب لهذا الرجل الواحد ملفًا كاملًا. من هذا الملف وُلد ثالث أطول سفر في الكتاب المقدس، وأجمل ما كُتب عن رحمة الله في اللغة اليونانية.
في هذه الصفحة ستكتشف من هو لوقا، ومتى كتب ولماذا، وكيف بُني سفره، وما مواضيعه الكبرى، وأي آياتٍ تحمل قلبه، وكيف تقرأه بنفسك في ثلاثين يومًا فتخرج، مثل ثاوفيلس، بيقينٍ لا بمعلومات.
زاوية هذا الدليل
معظم ما يُكتب عن إنجيل لوقا يقدّمه كـ"إنجيل الفقراء" أو "إنجيل الأمم". هذا صحيح، لكنه ناقص. نحن هنا نقرأ لوقا من زاويته المعلنة هو: تحقيقٌ دقيق كُتب ليمنح يقينًا لرجلٍ يشكّ. والمفاجأة أن اليقين الذي يقدّمه لوقا ليس سلسلة براهين تقنع العقل، بل شخصٌ يخرج ليبحث. كل أصحاحٍ في هذا السفر يضع أمامك مخلّصًا متحرّكًا: ينزل من السماء إلى مزود، ومن الناصرة إلى أورشليم، ومن القبر إلى طريق عمواس. اليقين، عند لوقا، هو أن تكتشف أنك مطلوب. سنعود إلى هذه الزاوية في كل قسم رئيسي.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن إنجيل لوقا؟
السفر نفسه يبدأ بشيء لا نجده في أي إنجيل آخر: مقدمة أدبية يشرح فيها الكاتب منهجه. "رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس" (لوقا 1:3). ثلاث كلمات في هذه الآية تحدد شخصية السفر كله: "تتبعت"، أي أنه بحث وسأل واستقصى؛ "بتدقيق"، أي أنه لم يقبل كل ما سمع بل غربله؛ "على التوالي"، أي أنه رتّب المادة بعنايةٍ لتُقرأ كقصةٍ متصلة. والهدف مذكور في الآية التالية: "لتعرف صحة الكلام الذي علمت به". لوقا لا يكتب أسطورة تقوية؛ إنه يكتب لأن الإيمان المسيحي يقوم على أحداثٍ حدثت في التاريخ، في زمن قيصر أوغسطس وبيلاطس البنطي وحنان وقيافا.
الكتاب المقدس يذكر لوقا نفسه ثلاث مرات، وكلها في رسائل بولس. في كولوسي 4:14 نقرأ: "يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب وديماس". وفي 2 تيموثاوس 4:11، وبولس في آخر أيامه يكتب جملة موجعة: "لوقا وحده معي". وفي فليمون 24 يُعدّ بين العاملين مع الرسول. رجلٌ يبقى إلى النهاية بجانب سجينٍ مهجور، هو الرجل المناسب ليكتب عن مخلّصٍ لا يتخلّى.
وحين نقرأ السفر بحثًا عن رسالته المركزية، نجدها معلنة في أربع لحظاتٍ رئيسية. الأولى في بيت لحم، حيث يقول الملاك للرعاة: "لأنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لوقا 2:11). لاحظ الترتيب: "ولد لكم"، ثم "مخلص"، ثم "المسيح الرب". لوقا لا يبدأ باللاهوت المجرد بل بالعطية: هذا الطفل لك.
الثانية في مجمع الناصرة، حين يفتح يسوع سفر إشعياء ويقرأ: "روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرية" (لوقا 4:18). هذه هي خطة الخدمة كلها في آية واحدة، ولاحظ الأفعال: مسحني، أرسلني، لأبشر، لأشفي، لأنادي. كلها حركة نحو الخارج، نحو المكسور.
الثالثة في بيت زكا العشار: "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك" (لوقا 19:10). لاحظ الفعل الأول: "يطلب". يسوع لا ينتظر أن يُهتدى إليه؛ إنه يبحث.
والرابعة على طريق عمواس، حين يقول لوقا عن الرب القائم: "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المتعلقة به في جميع الكتب" (لوقا 24:27). هنا يُغلق لوقا دائرته: التحقيق التاريخي الذي بدأ به لا يكتمل إلا حين يفتح المسيح الكتب المقدسة، ويصير اليقين ليس نتيجة بحثٍ بشري فقط، بل ثمرة قلبٍ يشرحه الرب.
ثاوفيلس يبحث عن الحقيقة، والحقيقة كانت تبحث عنه.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
لوقا رجل يقرأ العهد القديم كقصةٍ واحدة لم تنتهِ. لهذا يُفتتح سفره داخل الهيكل، مع كاهنٍ عجوز يخدم أمام الله، وامرأة عاقر، ووعدٍ بابنٍ يمشي بروح إيليا. كأنّ لوقا يقول: نحن لا نبدأ فصلًا جديدًا، بل نستأنف الفصل الذي توقف مع الأنبياء.
تسابيح الأصحاحين الأولين مشبعة بالعهد القديم. مريم تغني: "تعظم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلصي"، وهو صدى لتسبيحة حنة في 1 صموئيل 2. زكريا يتحدث عن "القسم الذي أقسم لإبراهيم أبينا". سمعان الشيخ يحمل الطفل ويسميه "نورا لإعلان للأمم"، مستعيرًا لغة إشعياء. وحين يقرأ يسوع في الناصرة، يقرأ إشعياء 61، ويقول: "إنه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم". سنة اليوبيل التي أمر بها الله في لاويين 25، حيث تُلغى الديون ويعود كل إنسان إلى أرضه ويُحرَّر العبيد، صارت لحمًا ودمًا في شخص واحد.
هناك خيط آخر يميّز لوقا: الشمولية. سلسلة النسب عنده لا تتوقف عند إبراهيم كما في متى، بل تصعد إلى "آدم ابن الله". هذا اختيار مقصود: المسيح ليس مخلّص شعبٍ واحد بل مخلّص الجنس البشري. ولهذا يهتم لوقا بالسامري الصالح، وبالأبرص السامري الشاكر، وبقائد المئة الروماني، وبقول سمعان عن النور للأمم. وحين يُغلق السفر، يكون الأمر الأخير: "وأن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مبتدأ من أورشليم".
وفي كل هذا يبقى المسيح هو نقطة الالتقاء. أعطى لوقا لهذه الحقيقة أجمل صورة في العهد الجديد كله: تلميذان مكسوران يسيران إلى عمواس، ويسوع يمشي معهما ويشرح لهما الكتب من موسى إلى الأنبياء (لوقا 24:27). كل الشرائع والذبائح والنبوات والمزامير كانت تشير إلى هذا الجريح القائم. لهذا قال التلميذان بعدها: "ألم يكن قلبنا ملتهبا فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟". العهد القديم بلا المسيح نصٌّ مغلق؛ ومع المسيح يصير نارًا في القلب.
وهكذا تعمل زاوية هذا الدليل داخل الكتاب كله: البحث الإلهي لم يبدأ في بيت لحم. بدأ في جنة عدن بسؤال "أين أنت؟"، واستمر مع إبراهيم المدعو من أور، ومع الشعب المسبيّ الذي وعد الله أن يجمعه، وبلغ ذروته في مخلّصٍ يقول: "جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك".
البنية والمواضيع الرئيسية
بُني إنجيل لوقا كرحلة، لا كمجموعة مواعظ. أربعة وعشرون أصحاحًا تتحرك من الهيكل في أورشليم إلى أورشليم مرة أخرى، ومن هناك، في السفر الثاني الذي كتبه لوقا نفسه، إلى أقاصي الأرض.
يبدأ السفر بالمقدمة (1:1-4)، وهي الجزء الوحيد الذي يتحدث فيه الكاتب عن نفسه ومنهجه. ثم يأتي قسم الميلاد والطفولة (1:5-2:52)، وهو أطول وأغنى ما لدينا عن مجيء المسيح: البشارة لزكريا، البشارة لمريم، لقاء مريم وأليصابات، ميلاد يوحنا، ميلاد يسوع، الرعاة، الختان والتقديم في الهيكل، وأخيرًا الصبي ذو الاثنتي عشرة سنة في الهيكل. هذا القسم غير موجود بهذا التفصيل في أي إنجيل آخر، وفيه أربع تسابيح صارت جزءًا من عبادة الكنيسة عبر العصور.
يلي ذلك قسم الإعداد (3:1-4:13): خدمة يوحنا المعمدان بتأريخٍ دقيق يذكر السنة الخامسة عشرة من ملك طيباريوس قيصر، ثم المعمودية، وسلسلة النسب، والتجربة في البرية. بعدها تُفتح خدمة الجليل (4:14-9:50) بمشهد المجمع في الناصرة، الذي يعمل كعنوانٍ لكل ما سيأتي: كرازة للمساكين، شفاء، تحرير، ورفضٌ من أهل البلد.
القسم الأوسط هو الأشهر بين الدارسين، ويسمّى "قسم الرحلة" (9:51-19:27). يفتتحه لوقا بجملة تشبه دقّة الطبل: "وحين تمت الأيام لارتفاعه ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم". عشرة أصحاحات كاملة، يسوع فيها على الطريق، والصليب في أفقه. هنا يجمع لوقا أغلب المواد التي لا نجدها في متى ومرقس: السامري الصالح، مرثا ومريم، الغني الغبي، الابن الضال، الوكيل الظالم، الغني ولعازر، الفريسي والعشار، الأرملة والقاضي. تعليم المسيح في هذا القسم ليس محاضرات في قاعة، بل حديث مسافرٍ يعلّم رفاقه أثناء السير. هذه بنية لاهوتية لا جغرافية فقط: الإيمان في لوقا يُتعلَّم في الحركة، والتلمذة قرارٌ يُتخذ كل يوم، كما قال: "إن أراد أحد أن يأتي بعدي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني".
ثم أورشليم (19:28-21:38): الدخول الملوكي، البكاء على المدينة، تطهير الهيكل، المواجهات مع القادة، والحديث النبوي عن خراب المدينة ومجيء ابن الإنسان. وبعدها الآلام (22-23): العشاء الأخير، جثسيماني حيث يذكر لوقا وحده عرق الدم وخدمة الملاك، المحاكمات الأربع، وحده يذكر محاكمة هيرودس، ثم الصلب مع كلمات لا يحفظها لنا سوى لوقا: "يا أبتاه، اغفر لهم"، و"إنك اليوم تكون معي في الفردوس"، و"يا أبتاه، في يديك أستودع روحي". ويُختم السفر بالقيامة (24): القبر الفارغ، طريق عمواس، الظهور للأحد عشر، الوعد بالروح القدس، والصعود، والسفر ينتهي حيث بدأ، في الهيكل، مع تلاميذ "يسبحون ويباركون الله".
أما المواضيع الكبرى فتتشابك مع هذه البنية. أولها المخلّص الطالب: من الملاك في لوقا 2:11 إلى إعلان زكا في لوقا 19:10، والرسالة واحدة. ثانيها انحياز الله للمنكسرين: الرعاة لا الملوك هم أول من يسمع الخبر، والمساكين هم أول المذكورين في لوقا 4:18، والعشارون والخطاة يقتربون فيقول: "لم آت لأدعو أبرارا بل خطاة إلى التوبة". ثالثها مكانة النساء: أليصابات، مريم، حنة النبية، أرملة نايين، المرأة الخاطئة في بيت الفريسي، مريم المجدلية ويونّا وسوسنة اللواتي كنّ يخدمن من أموالهنّ، والنساء أول شاهدات القيامة. رابعها الصلاة: يصلّي يسوع عند معموديته، وقبل اختيار الرسل، وعلى الجبل، وفي جثسيماني، وعلى الصليب، ويعلّم عن الصلاة بمثلين لا يوجدان إلا هنا. خامسها الروح القدس، الذي يذكره لوقا أكثر من أي إنجيل آخر، تمهيدًا لسفر الأعمال. سادسها المال والممتلكات، وهو أحد أكثر المواضيع إزعاجًا في هذا السفر. وسابعها الفرح والتسبيح؛ الكلمة "فرح" وأخواتها تتردد في لوقا أكثر مما في متى ومرقس معًا، لأن الأخبار الجيدة لا تُنقل بصوتٍ متجهّم.
آيات محورية من هذا السفر
ثلاث آيات تكفي لتحمل قلب السفر كله.
الأولى: "لأنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب" (لوقا 2:11). قالها ملاك لرعاة، وهم فئة مهنية كانت شهادتها مرفوضة في المحاكم اليهودية. أول من عرف بالخبر هم أقل الناس تصديقًا في نظر مجتمعهم. وفي الآية ثلاثة ألقاب مركّبة: "مخلص" يعني أن مشكلتنا ليست جهلًا يحتاج معلمًا بل هلاكًا يحتاج منقذًا؛ "المسيح" يعني أن هذا الطفل هو الملك الموعود من نسل داود، تحقيق كل نبوّات العهد القديم؛ "الرب" هو اللقب الذي تستخدمه الترجمة اليونانية للعهد القديم لاسم الله نفسه. في مزود، ملفوفًا بأقمطة، الله له المجد. وأصغر كلمة في الآية هي أثقلها: "لكم".
الثانية: "وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه، فتحرك شفقة وركض وألقى بنفسه على عنقه وقبله" (لوقا 15:20). أعظم صورة للنعمة في الكتاب المقدس تُرسم بأربعة أفعال. "رآه" لأن الأب كان ينظر إلى الطريق، ما توقف عن الانتظار. "تحرك شفقة" تعبير يشير إلى ارتجاف الأحشاء، حبٌّ جسديٌّ مؤلم. "ركض" وكان رجلًا شرقيًّا مسنًّا وقورًا، والرجل الوقور لا يجري ولا يرفع ثوبه؛ الأب هنا يفقد كرامته أمام القرية بأسرها كي يصل إلى ابنه قبل أن تصله ألسنة الجيران. "ألقى بنفسه على عنقه وقبله" قبل أي كلمة اعتذار محفوظة. الابن كان قد أعدّ خطابًا ليعمل أجيرًا، فقاطعته المعانقة. لاحظ أيضًا أن الأب ذهب إلى الابن الأصغر في الحقل وإلى الابن الأكبر في الخارج؛ إنه يخرج مرتين. النعمة لا تنتظرك عند الباب، بل تركض في الطريق.
الثالثة: "فقال يسوع: يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لوقا 23:34). لوقا وحده يحفظ لنا هذه الكلمة، وهو الاختيار المنطقي لكاتبٍ محوره الرحمة الباحثة. هذه أول كلمة من الصليب في روايته، وهي صلاةٌ لا شكوى. "اغفر لهم" لمن؟ للجنود الذين يدقّون المسامير، وللقادة الذين يسخرون، وللجمع الذي صرخ "اصلبه"، ولنا. وفي القول "لا يعلمون ماذا يفعلون" لا تبرئة للخطية بل كشفٌ لعمقها: الإنسان يقتل مخلّصه وهو يظن أنه يخدم الصواب. من هنا وُلد رجاء اللص المصلوب بعد قليل، ومن هنا استمدّ استفانوس صلاته في أعمال 7. الخبر السار في هذا السفر ليس أن الله يغفر لمن يستحق، بل أنه يطلب الغفران لمن يقتله.
دليل عملي لقراءة إنجيل لوقا
أربعة وعشرون أصحاحًا تحتمل خطة شهر واحد. اقرأ في اليوم أصحاحًا واحدًا، مع ستة أيام إضافية للتوقف والتأمل، ولا تقرأ بسرعةٍ أكثر من قدرتك على التأثر.
ابدأ بالمقدمة الصغيرة (1:1-4) واقرأها ببطء، وضع نفسك مكان ثاوفيلس: ما هو الأمر الذي تحتاج أن تتأكد من "صحة الكلام" فيه؟ اكتبه في أول صفحة من دفترك، وعُد إليه في نهاية الشهر. الأسبوع الأول (أصحاحات 1-6) للميلاد والبدايات؛ اقرأ التسابيح بصوتٍ مسموع، فهي كُتبت لتُغنّى لا لتُحلَّل، وتوقّف طويلًا عند مشهد الناصرة في الأصحاح الرابع، فهو مفتاح السفر.
الأسبوع الثاني (7-12) لخدمة الجليل والأمثال الأولى؛ راقب كيف يتعامل يسوع مع النساء والأمم والخطاة، وسجّل في كل أصحاح جملة واحدة تصدمك. الأسبوع الثالث (13-18) هو قلب قسم الرحلة، وفيه أعظم أمثال الرحمة؛ اقرأ الأصحاح الخامس عشر ثلاث مرات في ثلاثة أيام: مرة كأنك الابن الأصغر، ومرة كأنك الابن الأكبر، ومرة وأنت تنظر إلى الأب. الأسبوع الرابع (19-24) لأورشليم والصليب والقيامة؛ خصّص للأصحاحين الثالث والعشرين والرابع والعشرين يومين كاملين.
اقرأ وفي يدك ثلاثة أسئلة ثابتة: ماذا يقول هذا المقطع عن يسوع المسيح؟ إلى مَن يذهب المسيح هنا، ومَن يتضايق من ذهابه؟ وما الشيء الذي يطلبه هذا المقطع مني اليوم، لا نظريًّا بل في المال والوقت والعلاقات؟ وحين تصل إلى الأصحاح الرابع والعشرين، لا تتوقف. اقرأ أعمال الرسل مباشرة، فهو الجزء الثاني من العمل نفسه، ويبدأ بالكلمات: "الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس". لوقا كتب قصةً من مجلدين، ومن يقرأ الأول فقط يتركها في منتصفها.
ونصيحة أخيرة: صلِّ قبل القراءة صلاةً واحدة من هذا السفر: "يا أبتاه، افتح لي الكتب كما فتحتها على طريق عمواس". الطبيب الدقيق جمع الشهادات، لكن الذي يُشعل القلب هو الرب القائم.
المرآة
لعلّك تقرأ هذا وأنت تشبه ثاوفيلس أكثر مما تعترف. تخدم في الكنيسة، تعرف الأجوبة الصحيحة، وتردّد القانون الإيماني بلا تلعثم، لكن في الثالثة صباحًا، حين يصمت البيت، يعود السؤال: هل هذا كله حقيقي؟ لوقا لا يعاقبك على هذا السؤال. لقد كتب أربعة وعشرين أصحاحًا لرجلٍ سأله. سؤالك لا يُخرجك من دائرة النعمة؛ إنه بالضبط سبب كتابة هذا السفر.
وربما مشكلتك ليست الشك بل التعب. أنت الابن الأكبر: تعمل بأمانة، تدفع فواتير الجميع، تحضر كل اجتماع، ولم تُقم لك القرية حفلة قط. الأب في المثل خرج إليك أنت أيضًا، وقال لك: "أنت معي في كل حين، وكل ما لي فهو لك". هل تصدّق أنك محبوبٌ حين لا تنتج شيئًا؟
أو ربما أنت الابن الأصغر، وقد أعددتَ خطاب اعتذارك منذ سنوات ولم تجد الجرأة لتسير في الطريق. تظن أن عودتك ستكون باردة، وأن الله سيقبلك على مضض، كأجير في الحقل الخلفي. اقرأ لوقا 15:20 مرة أخرى، وانظر مَن الذي يركض في الآية. ليس أنت.
ولوقا سيلمس محفظتك أيضًا. لا يوجد سفر في العهد الجديد أكثر إزعاجًا في موضوع المال. سيسألك عن الغني الذي كان يخطط لمخازن أكبر وسيموت هذه الليلة، وعن لعازر الملقى عند بابك ولا تعرف اسمه، وعن زكا الذي فتح دفاتره في اليوم الأول من إيمانه. الإيمان في هذا السفر ليس مشاعر داخلية بل ميزانية معلنة.
وأخيرًا، إن كنت وحيدًا اليوم، مكسورًا في جسدك أو في زواجك أو في سمعتك، فاعلم أنك في المكان الذي يفتش عنه هذا الإنجيل. المخلّص الذي كتب عنه لوقا يمشي مع مسافرين يائسين قبل أن يعرّفهم نفسه، ويجلس إلى مائدتهم في المساء. هو يعرف الطريق إلى بيتك.
مشروح للأطفال
إنجيل لوقا هدية للأطفال، لأنه سفرٌ مملوء بالقصص التي تُروى قبل النوم: طفلٌ في مزود ورعاة خائفون، وأبٌ يركض إلى ابنه، ورجل قصير يصعد شجرة، وراعٍ يترك تسعة وتسعين ليجد خروفًا واحدًا، وامرأة تقلب بيتها بحثًا عن قرشٍ ضائع.
الطريقة الأبسط لتقديم السفر للصغار هي أن نقول لهم: هذا كتابٌ كتبه طبيبٌ لطيف اسمه لوقا، وكان يحب أن يسمع القصص الحقيقية عن يسوع ويكتبها بالترتيب، حتى نحن اليوم نتأكد أنها حدثت فعلًا. وفكرة الكتاب كلها فكرة واحدة: يسوع لا ينتظر أن يجده الناس، بل هو يذهب ويبحث. يذهب إلى الفقراء، وإلى المرضى، وإلى الذين لا يلعب معهم أحد، وإلى الذين أخطأوا وخافوا أن يعودوا.
مع الصغار، اربط الفكرة بخبرةٍ يعرفونها: ضياع لعبة محبوبة والفرح عند العثور عليها، أو أن يتوه الطفل في السوق لحظة ويجده أبوه. ومع الأكبر قليلًا، يمكن قراءة الأصحاح الخامس عشر معًا وتمثيله. ومع المراهقين، السؤال الأقوى هو سؤال ثاوفيلس نفسه: كيف نعرف أن هذا حقيقي؟ ولوقا يعطيهم أول جواب: أسماء وأماكن وتواريخ وشهود.
وعلى فيث نتورك نُعدّ شروحات مخصّصة لكل مرحلة: لأطفال ما قبل المدرسة من ثلاث إلى ست سنوات، وللمرحلة الابتدائية من سبع إلى اثنتي عشرة سنة، وللمراهقين من اثنتي عشرة سنة وأكثر، بلغةٍ وأسئلةٍ تناسب كل عمر. اختر المستوى المناسب لطفلك واقرأوا معًا.
الأسئلة الشائعة
من كتب إنجيل لوقا؟
السفر لا يذكر اسم كاتبه في متنه، لكن الشهادة الكنسية المبكرة، من القرن الثاني، تُجمع على أن الكاتب هو لوقا، الطبيب ورفيق الرسول بولس، الذي يذكره العهد الجديد في كولوسي 4:14 و2 تيموثاوس 4:11 وفليمون 24. تدعم ذلك أدلة داخلية: أسلوب يوناني راقٍ يعرف الأدب والطب، ومقاطع في سفر أعمال الرسل تُروى بصيغة "نحن"، مما يشير إلى كاتبٍ رافق بولس شخصيًّا في بعض رحلاته. ويُرجّح أنه كان أمميًّا، ما يجعله الكاتب غير اليهودي الوحيد في الكتاب المقدس.
متى كُتب إنجيل لوقا؟
لا يوجد تاريخ محدد، والتقديرات تنقسم إلى مجموعتين. الأولى ترجّح أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات الميلادية، وحجّتها القوية أن سفر أعمال الرسل ينتهي وبولس في سجنه بروما دون أن يذكر موته ولا خراب أورشليم سنة سبعين، وهي أحداث ضخمة كان يستحيل تجاهلها لو كانت قد وقعت. والثانية ترجّح ما بين سنة سبعين وخمس وثمانين، اعتمادًا على فهمٍ معيّن لنبوّة يسوع عن خراب المدينة. الرأي الأول هو الأبسط والأكثر اتساقًا مع طبيعة العملين.
من هو ثاوفيلس الذي كُتب له الإنجيل؟
اسمه يعني بالعربية "محبّ الله" أو "حبيب الله"، ولوقا يخاطبه في لوقا 1:3 بلقب "العزيز"، وهو في الأصل اليوناني لقب تشريف كان يُستخدم لأصحاب المقام الرفيع أو الوظائف الرسمية. الأرجح أنه شخص حقيقي، مؤمن جديد أو مهتم بالإيمان، ربما كان راعيًا للعمل ومموّلًا لنسخ السفر وتوزيعه. وقد رأى بعض الآباء في الاسم دلالة رمزية على كل قارئ يحب الله، وهذا معنى تقويّ جميل، لكن الاسم على الأرجح اسم رجلٍ من لحم ودم.
ما الفرق بين إنجيل لوقا وإنجيل متى ومرقس؟
تُسمّى هذه الثلاثة "الأناجيل الإزائية" لأنها تروي القصة بخطوط متشابهة ويمكن وضعها في أعمدة متوازية. لكن لكل منها زاوية: متى يكتب لقارئ يهودي ويبرز المسيح كملك تحقّقت فيه النبوّات، ومرقس يكتب بسرعةٍ وحركة ويبرز المسيح كخادمٍ متألم، ولوقا يكتب لقارئ يوناني ويبرز المسيح كمخلّصٍ للعالم كله، ابنًا للإنسان يبحث عن الضالين. نحو أربعين في المئة من مادة لوقا لا توجد في أي إنجيل آخر، وأشهرها أمثال الابن الضال والسامري الصالح والفريسي والعشار.
ما علاقة إنجيل لوقا بسفر أعمال الرسل؟
هما جزءان من عمل واحد كتبه المؤلف نفسه للمخاطب نفسه. الإنجيل يبدأ بمقدمة إلى ثاوفيلس، وأعمال الرسل يبدأ بالكلمات: "الكلام الأول أنشأته يا ثاوفيلس عن جميع ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلم به". الإنجيل يروي ما فعله يسوع بجسده على الأرض، والأعمال يروي ما يواصل فعله بروحه القدس من خلال كنيسته. الإنجيل يتحرك من الجليل إلى أورشليم، والأعمال من أورشليم إلى روما. من يقرأ أحدهما دون الآخر يفقد نصف القصة ونصف الرسالة.
لماذا يُسمّى إنجيل لوقا إنجيل الفقراء والمساكين؟
لأن انحياز الله للمنكسرين معلن فيه من أول صفحة إلى آخرها. تسبيحة مريم تتحدث عن إنزال الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين، والملاك يبشّر الرعاة لا الملوك، ويسوع يفتتح خدمته بقول إشعياء في لوقا 4:18: "مسحني لأبشر المساكين". وحده لوقا يروي مثل الغني ولعازر، ومثل الغني الغبي، وقصة الأرملة التي ألقت فلسيها. هذا لا يعني أن الفقر فضيلة في ذاته، بل أن مملكة الله تبدأ من حيث لا ينظر العالم أبدًا.
هل كان لوقا شاهد عيان لحياة يسوع؟
لا، وهو يقول ذلك بصراحة. في مقدمته يميّز بين نفسه وبين "الذين كانوا من البدء معاينين وخداما للكلمة"، أي شهود العيان الذين سلّموا الرواية. ثم يوضح منهجه في لوقا 1:3: "تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق". أي أنه جمع وتحقّق وقارن، وهو منهج المؤرّخ الأمين لا الشاهد المباشر. ويرى كثيرون أن مصادره تشمل مريم أم الرب أو محيطها القريب، بسبب التفاصيل الداخلية الحميمة في أصحاحي الميلاد، مثل قوله عنها إنها "كانت تحفظ جميع هذا الكلام".
ما هي الأمثال والقصص الموجودة في لوقا وحده؟
كنز هذا السفر يكمن في ما لا نجده في غيره: مثل السامري الصالح، والابن الضال، والدرهم المفقود، والغني الغبي، والغني ولعازر، والفريسي والعشار، والوكيل الظالم، والقاضي الظالم والأرملة الملحّة، والصديق الذي يطرق في الليل. ومن الأحداث: البشارة لمريم، تسابيح مريم وزكريا وسمعان، الرعاة، الصبي في الهيكل، إقامة ابن أرملة نايين، مريم ومرثا، زكا العشار، اللص التائب على الصليب، وطريق عمواس. من دون لوقا كانت المسيحية ستفقد أجمل صورها عن الرحمة.
كم عدد أصحاحات إنجيل لوقا، وهل هو أطول الأناجيل؟
يحتوي إنجيل لوقا على أربعة وعشرين أصحاحًا، وهو أطول الأناجيل الأربعة من حيث عدد الكلمات في الأصل اليوناني، بل هو أطول سفر منفرد في العهد الجديد كله. وإذا أضفنا إليه سفر أعمال الرسل بأصحاحاته الثمانية والعشرين، يكون لوقا قد كتب نحو ربع العهد الجديد، أي أكثر من أي كاتب آخر بما في ذلك بولس الرسول. هذه ضخامة تليق برجلٍ أراد أن يقدّم قصةً كاملة "على التوالي"، من الهيكل في أورشليم إلى قلب الإمبراطورية في روما.
لماذا يهتم لوقا كثيرًا بالنساء؟
لأن الإنجيل الذي يكتبه يذهب إلى المُهمَّشين، والنساء كنّ في ذلك الزمان بلا صوتٍ قانوني ولا شهادةٍ مقبولة. لوقا يمنحهنّ الصوت: أليصابات تتنبأ، ومريم تسبّح، وحنة النبية تخدم الله بالصوم والصلاة، وأرملة نايين تستعيد ابنها، والمرأة الخاطئة تُغفر لها في بيت الفريسي، ونساء كثيرات يمولّن خدمة يسوع من أموالهن، ومريم أخت مرثا تجلس عند قدميه في موضع التلميذ. وفي الذروة، النساء هنّ أول من يبشّرن بالقيامة. هذا اختيار لاهوتي مقصود.
ما معنى لقب "ابن الإنسان" الذي يستخدمه يسوع في لوقا؟
هو اللقب المفضّل عند يسوع لنفسه، وأصله في دانيال 7، حيث يرى النبي "مثل ابن إنسان" يأتي على السحاب فيُعطى سلطانًا ومجدًا ومملكة أبدية. فاللقب يحمل معنيين معًا: التماهي الكامل مع البشر في ضعفهم، والمجد الإلهي في آنٍ واحد. ولوقا يربطه مباشرة بالخدمة الباحثة في لوقا 19:10: "لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك". المجد والاتضاع لا يتناقضان في هذا السفر؛ الملك الآتي على السحاب هو نفسه الذي يجلس على مائدة عشار.
هل هناك تناقض تاريخي في رواية إحصاء كيرينيوس؟
هذا أحد أشهر الاعتراضات، إذ يذكر لوقا اكتتابًا في زمن كيرينيوس، بينما يؤرّخ المؤرخ اليهودي يوسيفوس إحصاءً شهيرًا لكيرينيوس سنة ست ميلادية، بعد موت هيرودس. وهناك حلول جدية عدّة: أن يقصد لوقا الاكتتاب "الأول"، أي أنه كان يعلم بوجود آخر لاحق؛ أو أن كيرينيوس تولى مهامّ رسمية في سوريا في فترة أبكر؛ أو أن الاكتتاب بدأ إجراؤه قبل سنوات من اكتماله. ومن المنصف أن نلاحظ أن دقة لوقا في الأسماء والألقاب الرسمية أُثبتت في مواضع كثيرة أخرى بشهادة الأثريين أنفسهم.
كيف أبدأ قراءة إنجيل لوقا إن لم أقرأ الكتاب المقدس قبلًا؟
ابدأ من البداية فعلًا، فهذا السفر كُتب أساسًا لقارئٍ مثلك، غير معتاد على الكتب المقدسة اليهودية. اقرأ أصحاحًا واحدًا في اليوم، بصوتٍ مسموع إن أمكن، ولا تتوقف عند كل صعوبة بل ضع علامة وواصل. وإن أردت مدخلًا سريعًا إلى قلب السفر، فاقرأ الأصحاح الخامس عشر أولًا، ثم عد إلى الأصحاح الأول. واختم الشهر بالأصحاح الرابع والعشرين، ثم انتقل مباشرة إلى سفر أعمال الرسل لتعرف كيف استمرت القصة.
في الختام
كتب طبيبٌ دقيق ملفًّا لرجلٍ يشكّ، فصار الملف إنجيلًا لكل من يشكّ ويتعب ويضيع. وكان جواب لوقا على سؤال اليقين غريبًا: لم يقدّم لثاوفيلس دليلًا فلسفيًّا، بل قدّم له مخلّصًا يتحرّك. طفلًا وُلد "لكم"، ومسيحًا مسحه الروح ليبشّر المساكين، وابنًا للإنسان جاء "لكي يطلب ويخلص ما قد هلك"، وأبًا يركض في الطريق، ومصلوبًا يصلّي لقاتليه، وقائمًا من الموت يفتح الكتب لرجلين مهزومين حتى التهبت قلوبهما.
لذلك، لا تقرأ هذا السفر لتجمع معلومات عن يسوع؛ اقرأه لتُكتشف. سِر في الأصحاحات الأربعة والعشرين كما تسير في طريق عمواس، واسأل: هل يمكن أن يكون هذا هو الرب نفسه يمشي إلى جانبي وأنا لا أعرفه؟
خطوتك التالية بسيطة: افتح لوقا 1:1-4 اليوم، واكتب سؤالك الذي تحتاج فيه إلى يقين، ثم اقرأ أصحاحًا كل يوم لمدة شهر، وأكمل بسفر أعمال الرسل. وحين تصل إلى النهاية، ستفهم لماذا انتهى السفر بتلاميذ "يسبحون ويباركون الله". من وجده المخلّص لا يملك إلا أن يسبّح.