موضوع

الألم والتجارب في الكتاب المقدس

مقدمة

في غرفة انتظار مستشفى، امرأة تمسك بورقة نتائج تحليل وتقرأ السطر نفسه للمرة العاشرة. في بيت آخر، أب يجلس على طرف سرير ابنه الفارغ. وفي مكانٍ ثالث، شاب فقد عمله للمرة الثانية هذا العام ويسأل بصوتٍ منخفض: "يا الله، أين أنت؟" ليس هذا سؤالًا فلسفيًا يُطرح في قاعة محاضرات، بل صرخة تخرج من الحلق. والكتاب المقدس لا يهرب من هذه الصرخة، بل يحتضنها: ثلث المزامير تقريبًا مراثٍ وشكاوى، وسِفر كامل اسمه أيوب مكرّس لرجلٍ بار فقد كل شيء.

في هذه الصفحة سنتتبّع الألم من أول صفحة في التكوين إلى آخر دمعة تُمسح في الرؤيا، وسنكتشف لماذا لم يعطِنا الله تفسيرًا مكتوبًا للألم، بل أعطانا شيئًا أعمق بكثير.

زاوية هذا الدليل

معظم ما يُكتب عن الألم يحاول الإجابة على سؤال "لماذا؟" بتبريرٍ منطقي: الله يؤدّب، أو الله يعلّم، أو هناك خطة لا نراها. لكن الكتاب المقدس، حين تقرأه من أوله إلى آخره، يفعل شيئًا مدهشًا: هو يأخذ سؤال "لماذا؟" ويحوّله بلطفٍ إلى سؤال "مَن معي؟". أيوب لم يحصل على جواب، حصل على حضور. والعهد الجديد لا يقدّم نظرية في الشر، بل يقدّم جسدًا مجروحًا على صليب. هذا هو خيط هذه الصفحة: الله لم يُرسل إلينا تفسيرًا، أرسل ابنه. وهذا الفرق يغيّر كل شيء في طريقة احتمالنا للألم.

ماذا يقول الكتاب المقدس عن الألم والتجارب؟

أول ما يفعله الكتاب المقدس هو أنه يرفض أن يتظاهر. العالم الذي نعيش فيه ليس كما خرج من يد الله. في تكوين 1 كان كل شيء "حسنًا جدًا"، وفي تكوين 3 دخل الكسر: العلاقة مع الله انقطعت، والأرض نفسها تغيّرت. يقول الله لآدم: "ملعونة الارض بسببك. بالتعب تأكل منها كل ايام حياتك" (تكوين 3:17). التعب والشوك والموت ليست تصميم الله الأصلي، بل جُرح في الخليقة. هذا يعني أن حزنك على الألم ليس ضعفًا روحيًا؛ إنه إحساس صحيح بأن شيئًا ما ليس في مكانه.

ثم يأتي سفر أيوب ليهدم أبسط تفسير نملكه. أيوب "كامل ومستقيم"، ومع ذلك يفقد أولاده وماله وصحته. وحين تطلب منه زوجته أن يجدّف على الله ويموت، يردّ بكلمات تبقى من أعمق ما قيل في وجع الإنسان: "فقال لها تتكلمين كلام احدى الجاهلات. أالخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل. في كل هذا لم يخطئ ايوب بشفتيه" (أيوب 2:10). لاحظ أن أيوب لا يقول إن الألم جيد، ولا يدّعي أنه يفهمه. هو فقط يرفض أن يبني علاقته بالله على شرط الراحة. هذه ليست لامبالاة، بل إيمانٌ عارٍ، إيمانٌ بقي واقفًا بعد أن سقطت عنه كل الامتيازات.

المزامير تذهب أبعد: هي تعطينا لغةً للشكوى. "كثيرة هي بلايا الصدّيق ومن جميعها ينجيه الرب" (مزمور 34:19). انتبه إلى الكلمة الأولى: "كثيرة". ليس "قليلة" ولا "نادرة". الكتاب المقدس لا يَعِد البار بحياةٍ محمية من الألم، بل يَعِده بإلهٍ ينجّيه من جميعها، أحيانًا في هذه الحياة، وأحيانًا في القيامة. الوعد ليس إلغاء البلايا، بل أنها لن تكون الكلمة الأخيرة.

وفي إشعياء نصل إلى قلب الموضوع. الله لا يقول لشعبه في السبي: "لن تعبروا في الماء". بل يقول: "اذا اجتزت في المياه فانا معك وفي الانهار فلا تغمرك. اذا مشيت في النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك" (إشعياء 43:2). كلمة "إذا" هنا أقرب إلى "حين". المياه آتية والنار آتية، والوعد ليس طريقًا جانبيًا يلتفّ حولها، بل مرافقة داخلها. الله لا يَعِد بطريقٍ حول النار، بل بحضورٍ داخلها.

ويسوع المسيح نفسه يختم هذا الخط بوضوح لا يحتمل اللبس، في آخر ليلة قبل الصليب: "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا انا قد غلبت العالم" (يوحنا 16:33). ثلاث جمل تختصر لاهوت الألم كله: سلامٌ فيه، ضيقٌ في العالم، وغلبةٌ محسومة. لم يقل "ربما يكون لكم ضيق"، بل "سيكون". المسيحية التي تَعِد أتباعها بحياةٍ خالية من الألم ليست مسيحية الكتاب المقدس.

الخيط الممتد في الكتاب المقدس

تتبّع هذا الخيط من الأمام إلى الخلف وسترى أن الله لا يبتعد عن الألم، بل يقترب منه خطوةً بعد خطوة حتى يدخل فيه بجسده.

في العهد القديم نرى الله أولًا يسمع. عند العليقة المشتعلة يقول: "اني قد رأيت مذلة شعبي الذي في مصر وسمعت صراخهم من اجل مسخّريهم. اني علمت اوجاعهم" (خروج 3:7). رأى، سمع، علم. ليس إلهًا بعيدًا يراقب من فوق، بل إلهًا ينحني ليعرف الوجع من الداخل. ونرى في قصة يوسف كيف يأخذ الله شرًّا حقيقيًا، خيانة إخوة وسجنًا ظالمًا، ولا يسمّيه خيرًا، بل ينسج منه خلاصًا: "انتم قصدتم لي شرا. اما الله فقصد به خيرا لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعبا كثيرا" (تكوين 50:20). الشر بقي شرًّا، لكنه لم يبقَ سيّد الموقف.

ثم يرتفع صوت المراثي بعد خراب أورشليم، ومع ذلك يُكتب في وسط الرماد: "لانه لا يذل من قلبه ولا يحزن بني الانسان" (مراثي إرميا 3:33). أي أن الله حين يسمح بالتأديب، لا يفعله بمتعةٍ ولا ببرودة. قلبه ليس في الضربة.

وفي إشعياء 53 يصل العهد القديم إلى ذروته النبوية حين يصف عبدًا آتيًا: "محتقر ومخذول من الناس رجل اوجاع ومختبر الحزن". هذا ليس وصفًا لمتفرّج، بل لمشارك. وحين يأتي العهد الجديد، يتجسد هذا الوصف في شخص. يسوع المسيح يبكي على قبر صديقه بأقصر آية في الكتاب: "بكى يسوع" (يوحنا 11:35). يتعرّق في جثسيماني "كقطرات دم نازلة على الارض" (لوقا 22:44). ويصرخ على الصليب الصرخة التي يصرخها كل متألم: "الهي الهي لماذا تركتني" (متى 27:46).

هنا بالضبط تكتمل زاوية هذه الصفحة. ابن الله اقتبس سؤال "لماذا؟" من مزمور 22 وجعله صلاته الأخيرة. لم يَلُم المتألمين على سؤالهم، بل صرخ به قبلهم. ولهذا يقول عبرانيين 5:8 عنه: "مع كونه ابنا تعلم الطاعة مما تألم به". الله في المسيح لم يشرح الألم من بعيد، بل تذوّقه حتى الثمالة.

والنهاية ليست مفتوحة. الرسالة إلى رومية تقول إن "كل الخليقة تئن وتتمخض معا الى الآن" (رومية 8:22)، لكن الأنين هنا أنين ولادة لا أنين احتضار. وفي الرؤيا تُغلق الدائرة التي فُتحت في التكوين: "وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم. والموت لا يكون في ما بعد ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع في ما بعد لان الامور الاولى قد مضت" (رؤيا 21:4). لاحظ كم هو شخصي هذا الوعد: ليس ملاكًا يمسح الدموع، بل الله بنفسه. الذي دخل الألم هو الذي سيمحوه.

مفاهيم خاطئة شائعة

"إن كنت أتألم فلا بد أنني أخطأت." هذا أقدم تفسير في التاريخ، وهو تفسير أصحاب أيوب الثلاثة الذين وبّخهم الله في النهاية. حين رأى التلاميذ رجلًا أعمى منذ ولادته وسألوا مَن أخطأ، هو أم أبواه، كان جواب يسوع المسيح حاسمًا: "لا هذا اخطأ ولا ابواه لكن لتظهر اعمال الله فيه" (يوحنا 9:3). نعم، للخطية عواقب طبيعية أحيانًا، والكتاب المقدس يتكلم عن تأديب الآب لأولاده، لكن تحويل كل وجعٍ إلى دليل اتهام هو قسوةٌ باسم اللاهوت. إن كنت تفتّش في ذاكرتك عن الخطية التي "تستحق" بها سرطانك، فأنت تحمل عبئًا لم يضعه الله عليك.

"الإيمان القوي يحمي من المتاعب." هذا ما يسمّيه البعض إنجيل الرخاء، وهو يتهاوى أمام جملة واحدة في رسالة بطرس: "ايها الاحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لاجل امتحانكم كانه اصابكم امر غريب" (1 بطرس 4:12). كُتبت هذه الكلمات لمؤمنين مضطهدين، والرسول لا يقول لهم إن إيمانهم ناقص، بل إن الضيق أمرٌ طبيعي ومتوقَّع في حياة التلميذ. التاريخ يؤكد ذلك: معظم كتبة العهد الجديد ماتوا شهداء. لو كان الإيمان درعًا ضد الألم، لكان بولس أقل الناس ألمًا، وهو الذي كتب قائمة طويلة من الجلدات والسجون والعواصف.

"الله هو مَن يجرّبني ليوقعني." هنا خلطٌ في الكلمات مؤذٍ. الكلمة العربية "تجربة" تحمل معنيين: الامتحان الذي يُنقّي، والإغراء الذي يُسقِط. ويعقوب يفصل بينهما بدقة: "لا يقل احد اذا جرب اني أجرب من قبل الله. لان الله غير مجرب بالشرور وهو لا يجرب احدا" (يعقوب 1:13). الله يسمح بامتحانٍ يُثبت الإيمان ويُظهر معدنه، لكنه لا ينصب فخًا لأولاده. الشيطان يجرّب ليُسقط؛ الله يمتحن ليُقيم.

"رومية 8:28 تعني أن كل ما يحدث لي حسن." الآية تقول: "ونحن نعلم ان كل الاشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده" (رومية 8:28). انتبه إلى الدقة: ليست كل الأشياء خيرًا، بل كل الأشياء "تعمل معًا" للخير. الوفاة ليست خيرًا، والخيانة ليست خيرًا، والمرض ليس خيرًا. لكن الله، كطاهٍ ماهر يأخذ مكوّنات مرّة في ذاتها، يضمّها إلى بعضها فيخرج منها طعامٌ يُحيي. واقرأ الآية التي تليها لتعرف ما هو "الخير" المقصود: أن نكون "مشابهين صورة ابنه". ليس وعدًا بحياةٍ مريحة، بل بحياةٍ تشبه المسيح. استعمال هذه الآية كرُقعةٍ سريعة على جرحٍ طازج هو إساءة استخدام لها؛ هي آية تُقال في الطريق الطويل، لا في اللحظة الأولى.

كيف نعيشه اليوم

أول خطوة عملية هي أن تتعلّم لغة الرثاء. ثلث المزامير تقريبًا شكوى موجَّهة إلى الله لا عنه، وهذا يعني أن الكتاب المقدس يعطيك إذنًا رسميًا أن تقول له: "لماذا؟" و"إلى متى؟" و"أين أنت؟". الصلاة المهذّبة المصقولة التي تخفي الغضب ليست أكثر روحانيةً من صرخةٍ صادقة. الإيمان الحقيقي يذهب بألمه إلى الله، لا بعيدًا عنه. ومَن يصرخ في وجه الله، فهو لا يزال يؤمن بأن هناك مَن يسمع.

الخطوة الثانية هي إعادة تعريف القوة. كتب بولس عن "شوكة في الجسد" صلّى ثلاث مرات لتُنزع، فجاءه جواب غير الذي طلبه: "فقال لي تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل. فبكل سرور افتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل عليّ قوة المسيح" (2 كورنثوس 12:9). الله لم يشفِ بولس، لكنه أعطاه نفسه. هذا هو جوهر زاوية هذه الصفحة في أوضح صورها: الجواب لم يكن إزالة الشوكة، بل حضورًا يكفي معها. إن كنت تصلّي منذ سنوات من أجل أمرٍ لم يتغيّر، فربما الله يبني فيك شيئًا لا يُبنى إلا هناك.

الخطوة الثالثة هي أن تسمح لألمك أن يصير خدمة. "الذي يعزينا في كل ضيقتنا حتى نستطيع ان نعزي الذين هم في كل ضيقة بالتعزية التي نتعزى نحن بها من الله" (2 كورنثوس 1:4). التعزية في منطق الله ليست مُلكًا خاصًا، بل عملة تُنقَل. الناس الذين عزّوك حقًا في حياتك لم يكونوا أصحاب الأجوبة الأنيقة، بل أصحاب الندوب.

وعمليًا: لا تمرّ بالألم وحدك. العزلة تضاعف الوجع وتشوّه الفكر. اطلب مَن يجلس معك كما جلس أصدقاء أيوب سبعة أيام في صمت، قبل أن يفسدوا كل شيء بكلامهم. حافظ على الإيقاعات الصغيرة: آية في الصباح، صلاة قصيرة، مائدة مع إخوة. الإيمان في الأزمات لا يُحمَل بقفزات بطولية، بل بخطواتٍ قصيرة متكررة. وتذكّر وعد 1 كورنثوس 10:13 بأن الله "لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة ايضا المنفذ لتستطيعوا ان تحتملوا". المنفذ ليس دائمًا باب الخروج؛ أحيانًا هو القوة لاجتياز الممر كله.

المرآة

أنت تقرأ هذا الآن ومعك شيء لم تقله لأحد. ربما هو تشخيصٌ طبي تنتظر نتيجته، أو زواجٌ تمثّل فيه دور السعيد أمام الآخرين وتصمت حين يُغلق الباب. ربما هو حسابٌ بنكي لا يكفي إلى آخر الشهر، أو جسدٌ خذلك وصار سجنك، أو وحدة في بيتٍ هادئ أكثر مما ينبغي. وربما أسوأ ما في الأمر ليس الألم نفسه، بل الشك الذي بدأ يتسرّب: هل الله غاضب مني؟ هل نسيني؟

دعني أكون صريحًا معك: هذه الصفحة لن تعطيك الجواب الذي تريده. لن أقول لك لماذا مات مَن مات، ولا لماذا تأخر ما تأخر. لكنني أدعوك إلى أن تنقل سؤالك من "لماذا حدث هذا؟" إلى "مَن معي فيه؟"، ليس لأن السؤال الأول ممنوع، بل لأن السؤال الثاني هو الوحيد الذي له جواب تستطيع أن تستند عليه الليلة.

وانتبه إلى الإغراء الحقيقي في الألم: ليس أن تجدّف على الله، بل أن تنسحب بهدوء. أن تتوقف عن الصلاة لأنها "بلا فائدة"، أن تهجر اجتماع المؤمنين لأن أحدًا لا يفهم، أن تخدّر نفسك بالعمل أو بالشاشة أو بأي شيء يُسكت الصوت. الانسحاب يبدو كراحة، لكنه يتركك وحيدًا مع وجعك ومع أفكارك عنه.

خذ وعاءً واحدًا من الكتاب المقدس هذه الليلة واحمله: "تيهاني راقبت. اجعل انت دموعي في زقك. أما هي في سفرك" (مزمور 56:8). دموعك ليست ضائعة. هي محفوظة ومُحصاة عند مَن يعرف عدد شعر رأسك. دموعك ليست ضائعة، بل محفوظة ومعدودة عند الله.

مشروح للأطفال

الأطفال يواجهون الألم أبكر مما نظن: جدٌّ يرحل، صديق يمرض، حيوان أليف يموت، أو مشهد في الأخبار يدخل البيت دون استئذان. وأسوأ ما يمكن أن نفعله هو أن نسكت أو أن نقدّم جملًا جاهزة مثل "الله أخذه لأنه يحبه"، لأن طفلًا صغيرًا قد يفهم منها أن محبة الله خطرة.

الطريق الأبسط هو أن نبدأ من القصة الكبرى: الله صنع عالمًا جميلًا جدًا، ثم انكسر العالم بسبب الخطية، فصار فيه مرض وحزن وموت. الله لم يصنع هذا الكسر، وهو يكرهه أكثر منا. ولهذا أرسل يسوع المسيح الذي بكى أمام قبر صديقه، والذي تألم هو نفسه، ليصلح ما انكسر. ويومًا ما سيمسح الله كل دمعة. هذه الرسالة الثلاثية، "العالم مكسور، ويسوع دخل الكسر، والله سيصلح كل شيء"، يفهمها طفل في الخامسة ومراهق في السادسة عشرة، كلٌّ على مستواه.

المهم أيضًا أن نعطي الطفل إذنًا بالحزن وبالسؤال، وأن نصلّي معه بصوتٍ عالٍ بكلماتٍ بسيطة وصادقة، حتى يتعلّم أن الله يحتمل أسئلته. لا تخفِ دموعك أمامه؛ طفل يرى أباه يبكي ويصلّي يتعلّم عن الإيمان أكثر مما يتعلّم من عشر مواعظ.

على فيث نتورك تتوفّر شروحات مخصّصة لهذا الموضوع حسب الأعمار: نسخة مبسّطة جدًا لمن هم بين الثالثة والسادسة، وشرح أوسع بقصصٍ من الكتاب المقدس للأعمار من سبع إلى اثنتي عشرة سنة، ومادة أعمق تتعامل مع الأسئلة الصعبة للمراهقين من سنّ اثنتي عشرة فما فوق.

الأسئلة الشائعة

لماذا يسمح الله بالألم إن كان محبًا وقادرًا على كل شيء؟

الكتاب المقدس لا يقدّم معادلة تفسّر كل حالة، لكنه يعطي إطارًا: العالم مكسور بسبب الخطية، والله يحترم حرية الإنسان الحقيقية، وهو يستخدم ما لم يصنعه لتحقيق ما وعد به. والأهم أنه لم يبقَ خارج المشهد؛ في يسوع المسيح دخل الله الألم بنفسه حتى الصليب. لذلك السؤال "هل يهتم الله؟" له جواب تاريخي ملموس، حتى لو بقي سؤال "لماذا هذا الألم بالذات؟" بلا جواب كامل في هذه الحياة.

هل الألم عقاب من الله على خطاياي؟

ليس بالضرورة، والكتاب المقدس يحذّر صراحةً من هذا الاستنتاج التلقائي. أيوب كان "كاملًا ومستقيمًا" ومع ذلك تألم، ويسوع المسيح رفض الربط بين عمى الرجل وخطية معيّنة في يوحنا 9:3. صحيح أن للخيارات الخاطئة عواقب، وصحيح أن الله يؤدّب أولاده كأب محب، لكن التأديب في الكتاب المقدس هدفه الترميم لا الانتقام. إن كان في حياتك ما يحتاج إلى توبة فتُب، أما تحويل كل مرض أو خسارة إلى حكم إدانة فهو عبء لم يضعه الله عليك.

ما الفرق بين التجربة والامتحان في الكتاب المقدس؟

الكلمة اليونانية الواحدة تُترجَم أحيانًا "تجربة" وأحيانًا "امتحان"، والفارق يكمن في القصد لا في الحدث. حين يأتي الضيق من يد الله فهو امتحان يُظهر معدن الإيمان ويُنضجه، كما في يعقوب 1:2-3. وحين يستغله العدو فهو إغراء هدفه إسقاطك. الموقف نفسه، كفقدان وظيفة، يمكن أن يكون امتحانًا للثقة وفي الوقت ذاته إغراءً للمرارة. ويعقوب 1:13 يؤكد أن الله "لا يجرب احدا" بالشر؛ هو يمتحن ليبني، لا ليوقع.

ماذا يعني أن كل الأشياء تعمل معًا للخير؟

رومية 8:28 لا تقول إن كل ما يحدث خير، بل إن الله ينسج كل ما يحدث نحو غاية صالحة. والغاية محدَّدة في الآية التالية: أن نصير مشابهين صورة ابنه. فالخير الموعود به ليس بالضرورة راحة أو نجاحًا أو شفاءً، بل نضجًا يشبه المسيح ومصيرًا أبديًا آمنًا. لاحظ أيضًا أن الوعد موجَّه "للذين يحبون الله"؛ إنه وعد عائلي يُقال داخل علاقة، لا شعار عام يُرمى على كل جرح.

هل يجوز أن أغضب من الله أو أشتكي له؟

نعم، والكتاب المقدس يعلّمك كيف. مزامير كثيرة تبدأ بصراخ مرير مثل "الهي الهي لماذا تركتني"، وإرميا وحبقوق وأيوب جميعهم جادلوا الله بصراحة قاسية. الفارق بين الشكوى المؤمنة والتذمر المدمّر هو الاتجاه: الأولى تتكلم إلى الله، والثانية تتكلم عنه من بعيد. الله يحتمل غضبك أكثر مما تحتمل أنت صمتك. والمفارقة أن معظم مزامير الرثاء تنتهي بثقة متجدّدة، لأن الصدق أمام الله طريق إلى الشفاء.

لماذا يتألم الأبرياء، وخصوصًا الأطفال؟

هذا أصعب سؤال في الإيمان، ولا توجد إجابة تُسكت الوجع. ما يقوله الكتاب المقدس هو أن العالم كله واقع تحت سلطان الكسر منذ تكوين 3، وأن الألم يصيب العادل والظالم دون منطق قابل للقياس. لكنه يقول أيضًا إن الله يقف دائمًا في صف الضعيف، وإنه حسب دموع الأبرياء، وإنه سيدين كل ظلم. والجواب المسيحي النهائي ليس تفسيرًا بل وعد قيامة: طفل مات لم يُلغَ من ذاكرة الله، والعدل القادم حقيقي.

هل يضع الله علينا أكثر مما نحتمل؟

كثيرون يقتبسون 1 كورنثوس 10:13 بشكل غير دقيق. الآية تتكلم عن التجربة إلى الخطية: الله أمين ولن يدعك تُجرَّب "فوق ما تستطيعون"، وسيجعل مع التجربة منفذًا. أما الألم نفسه فقد يكون أثقل مما نحتمل بالفعل؛ بولس نفسه كتب في 2 كورنثوس 1:8 أنه تثقّل جدًا فوق الطاقة حتى يئس من الحياة، والغاية كما يقول كانت ألا يتّكل على نفسه بل على الله الذي يقيم الأموات. أحيانًا يسمح الله بما يفوق طاقتك لتكتشف طاقته هو.

ماذا أفعل عندما لا يستجيب الله لصلاتي بالشفاء؟

أنت في صحبة كريمة. بولس صلّى ثلاث مرات ولم تُنزع شوكته، ويسوع المسيح نفسه صلّى في جثسيماني أن تعبر الكأس ولم تعبر. الجواب الذي ناله بولس كان "تكفيك نعمتي" (2 كورنثوس 12:9)، أي حضورًا بدل إزالة. استمر في الطلب بلا خجل، فالله لا يتعب من إلحاحك، لكن أضف إلى طلبك سؤالًا آخر: "إن لم تُزِل هذا عني، فماذا تريد أن تعطيني فيه؟" كثيرون شهدوا أن أعمق معرفتهم بالله وُلدت حيث لم يأتِ الشفاء.

ما معنى شوكة في الجسد عند بولس؟

لا يحدّد النص طبيعتها، وقد اقترح المفسرون مرضًا في العين، أو ألمًا جسديًا مزمنًا، أو اضطهادًا متواصلًا. هذا الغموض مقصود على الأرجح، لأنه يجعل الآية صالحة لكل قارئ متألم. المهم ما يقوله بولس عن وظيفتها: أُعطيت له "لئلا ارتفع" بفرط الإعلانات. أي أن الله استخدم ألمًا حقيقيًا، وصفه بولس بأنه "ملاك الشيطان"، ليحفظه من الكبرياء. الشوكة بقيت، لكن معناها تغيّر حين صارت مكان حلول قوة المسيح.

هل المرض دائمًا من الشيطان؟

الكتاب المقدس يعرض صورة أكثر تنوعًا. هناك أمراض نُسبت إلى عمل شرير مباشر، وهناك أمراض ذُكرت دون أي إشارة إلى الشيطان، مثل مرض تيموثاوس المعِدي أو مرض تروفيمس الذي تركه بولس في ميليتس. المرض في جوهره جزء من انكسار الخليقة بعد السقوط. لذلك من الحكمة أن نصلّي من أجل الشفاء بإيمان، ونستخدم الطب كعطية من الله، ونرفض في الوقت نفسه إلقاء اللوم على المريض بأن إيمانه ضعيف أو أن عليه شيطانًا.

كيف أعزّي شخصًا يتألم دون أن أجرحه؟

تعلّم من الأيام السبعة الأولى لأصدقاء أيوب، حين جلسوا معه على الأرض صامتين؛ تلك كانت أفضل خدمة قدّموها. الحضور أقوى من التفسير. تجنّب العبارات التي تختصر مأساة في جملة، مثل "كل شيء لخير" أو "الله احتاجه عنده"، فهي تقلّل من الخسارة وتغلق باب الحزن. اسأل أسئلة بسيطة، أحضر طعامًا، ابقَ بعد انتهاء الجنازة بأسابيع حين ينصرف الجميع. وإن صلّيت معه، صلِّ بصدق وبكلمات قليلة، واترك له حرية ألا يجيب.

هل سينتهي الألم يومًا ما؟

هذا هو الوعد الأخير في الكتاب المقدس. رؤيا 21:4 تقول إن الله سيمسح كل دمعة من عيونهم، ولن يكون موت ولا حزن ولا صراخ ولا وجع. لاحظ أن الوعد ليس بأن الدموع لم تكن، بل بأنها ستُمسح، أي أن قصتك لن تُلغى بل ستُشفى. وبولس يقول في رومية 8:18 إن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا. الرجاء المسيحي ليس إنكارًا للألم، بل ثقة بأن له تاريخ انتهاء.

في الختام

لو كان الله قد أعطانا تفسيرًا كاملًا للألم، لكنا امتلكنا نظرية ولبقينا وحدنا. بدل ذلك أعطانا شيئًا لا يُقاس: نفسه. هذا ما يجعل أيوب يقول في النهاية "بسمع الاذن قد سمعت عنك والآن رأتك عيني"، وهو لم يحصل على جواب واحد من أسئلته الطويلة، لكنه حصل على رؤيا لمن يثق به. وهذا ما جعل بولس يفتخر بضعفاته، وبطرس يطلب من المتألمين ألا يستغربوا، ويسوع المسيح يقول قبل صليبه مباشرة إن في العالم ضيقًا وإنه قد غلب العالم.

إن كنت في وسط النار اليوم، فلا تنتظر أن يرتفع الدخان لترى. ابدأ بآية واحدة: "اذا اجتزت في المياه فانا معك". اقرأها كل صباح لأسبوع. ثم اقرأ مزمورًا من مزامير الرثاء، مثل مزمور 13 أو مزمور 88، لتكتشف أن الله وضع في كتابه مكانًا لصوتك كما هو، غير مهذّب وغير مصقول.

وحين تسأل مرة أخرى "لماذا؟"، لا تخجل. فقط اترك السؤال ينزلق قليلًا نحو سؤال آخر: "مَن معي هنا؟". هناك ستجد جوابًا، وله يدان مجروحتان.

شارك هذه الصفحة

ساعد في نشر البشارة. أرسل هذا الشرح لمن قد يتشجّع به.

WhatsApp Email Facebook X / Twitter
آية اليوم

مقطع كتابي وتأمل في بريدك كل صباح

كل صباح تصلك آية من الكتاب المقدس مع تأمل قصير لتبدأ يومك بها. يقرأ معنا الآن 6.450 شخصًا.

ستصلك أولًا رسالة تأكيد. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت بنقرة واحدة.

7.258
مقاطع كتابية اكتشفناها معًا
توجد بالفعل 20 دراسات جديدة اليوم

جدار التأملات

ما الذي يلمس قلبك في الكتاب المقدس؟ ما الذي يمكننا أن نصلي لأجله؟ على ماذا نشكر الله؟

تأمّل تحريري في 2 كورنثوس 5:21

لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه." تأمل في التبادل: هو أخذ ما لم…

شكر تحريري في 3 يوحنا 1:2

أشكرك يا رب لأنك تهتم بي كله، بجسدي وبنفسي معًا. شكرًا على كل يوم صحة أقوم فيه من سريري، وعلى…

صلاة تحريري في إرميا 25:27

يا رب، كأس غضبك مُرّة، وأنا أرتجف حين أقرأ عن أمم سكرت فسقطت ولم تقم. لا تدعني أستهين بخطيتي ولا…

تأمّل تحريري في ناحوم 1:10

فإنهم وهم مشتبكون مثل الشوك وسكرانون كمن خمرهم يؤكلون كالقش اليابس بالكمال". صورة مخيفة: أناس متشابكون في شوكهم، لا يستطيعون…

تأمّل تحريري في رومية 1:30

لاحظ كيف يضع بولس في قائمة واحدة: "مبغضين لله" و"غير طائعين للوالدين". ما نعتبره خطية صغيرة في البيت يقف بجانب…

صلاة تحريري في عدد 8:12

يا رب، أضع يديّ على ما لا أقدر أن أحمله، وأثق أنك أنت من يكفّر ويطهّر. خذ خطيتي، واقبلني كلّي…

تنويه: تستخدم Faith.network نماذج لغوية آلية لإعداد دراسات الكتاب المقدس والتأملات. جميع المحتوى مُستمَد من نص الكتاب المقدس ذاته، ويُراجَع يوميًا عبر رقابة جودة مستقلة وآلية: تُختار عينات عشوائية من كل موقع لغوي وتُقيَّم بحسب الأمانة للكتاب المقدس، ودقة الاقتباس الحرفي، ووضوح اللغة، وتُنشر النتائج دون تعديل. ومع ذلك، لا يوجد شرح معصوم من الخطأ، وقد تحدث أخطاء. لا شيء على هذه المنصة يُعدّ مشورة مهنية، ولا يمكن استنباط أي حقوق من محتواها. اختبر دائمًا ما تقرأه في ضوء الكتاب المقدس نفسه، واستخدم Faith.network مكمِّلًا، لا بديلًا، لدراستك الشخصية للكتاب المقدس وصلاتك وحياتك في جماعة الكنيسة المحلية. تسري إخلاء المسؤولية وشروط الاستخدام الكاملة الخاصة بنا. اطّلع على فحوصات الجودة اليومية

© 2026 Faith.Network. جميع الحقوق محفوظة.

Faith.network خدمة تابعة لـ Faith.network · KvK 84972599 · connect@faith.network

بدعم من شركائنا
شركة؟