رسالة أفسس
مقدمة
غرفة مستأجرة في روما، أواخر خمسينيات القرن الأول. رجلٌ في الخمسينات من عمره يجلس على الأرض، وسلسلة حديدية تربط معصمه بمعصم جندي رومانيّ يتبدّل كل بضع ساعات. لا يملك هذا الرجل حريّة الحركة، ولا يعرف إن كان سيخرج من هذا المكان حيًّا. وفي هذا الوضع بالتحديد، يبدأ بإملاء رسالة. لكنه لا يبدأ بالشكوى، ولا بوصف القيد، ولا بطلب المساعدة. يبدأ بجملة تصعد إلى أعلى نقطة في الكون: "مبارك الله وأبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح" (أفسس 1:3).
رسالة أفسس هي هذه المفارقة المكتوبة: قيدٌ في الأرض، وجلوسٌ في السماويات. في هذه الصفحة ستكتشف مَن كتب هذه الرسالة ومتى وإلى مَن، وكيف بُنيت من الداخل، وما هي مواضيعها الكبرى، ولماذا تبدو نصف الرسالة الأولى كأنها تسبيح سماويّ، والنصف الثاني كأنه دليل إرشادات لبيتٍ وسوقٍ وعلاقاتٍ مكسورة. وستجد في النهاية خطة قراءة عملية تساعدك أن تعبر الرسالة كلها دون أن تضيع في جُملها الطويلة.
زاوية هذا الدليل
أقرأ معك رسالة أفسس من زاوية ثلاثة أفعال تحمل الرسالة كلها: نجلس، ونسلك، ونثبت. الله "أجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2:6)، ثم يطلب أن "تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم إليها" (أفسس 4:1)، ثم يأمر أن "تثبتوا ضد مكايد إبليس" (أفسس 6:11). الجلوس أولًا، لا السلوك. المركز الممنوح قبل الجهد المطلوب. وما يجعل هذا مؤثرًا أن الذي كتبه كان مقيّدًا بسلسلة لا يستطيع الجلوس المرتاح ولا السير الحرّ ولا الوقوف في ساحة معركة. السجين يعلّمنا الحريّة، لأن حريّته لم تكن في يد روما.
سجينٌ مقيّد يكتب عن الجلوس في السماويات.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن رسالة أفسس؟
تفتتح الرسالة نفسها بتعريف كاتبها: "بولس، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله، إلى القديسين الذين في أفسس، والمؤمنين في المسيح يسوع" (أفسس 1:1). ويعود بولس فيوقّع باسمه مرة ثانية في منتصف الرسالة، لكن هذه المرة بلقبٍ غريب: "بسبب هذا أنا بولس، أسير المسيح يسوع من أجلكم أنتم الأمم" (أفسس 3:1). لاحظ الدقة اللاهوتية في العبارة: ليس "أسير نيرون" بل "أسير المسيح يسوع". السلسلة في يده، لكن المفتاح في يد المسيح.
التقليد المسيحي منذ القرن الأول يُجمع على أن بولس هو الكاتب، وشهد لذلك آباء قدماء مثل إكليمنضس الروماني وإغناطيوس وإيريناوس. رفع بعض الدارسين في القرنين الأخيرين أسئلة عن أسلوب الرسالة: جُملها أطول من المعتاد عند بولس، ونبرتها أهدأ، وتخلو من الجدال الحادّ الذي نعرفه في غلاطية. لكن هذه الفروق تُفسَّر ببساطة بوضع الكاتب وهدفه: هذه ليست رسالة تُطفئ حريقًا في كنيسة مضطربة، بل تأمّل مكتوب من زنزانة لرجلٍ لم يبقَ له إلا الوقت والصلاة. من يملك وقتًا طويلًا وقلبًا ممتلئًا يكتب جملًا طويلة.
أما تاريخ الكتابة فالأرجح أنه بين سنة 60 و62 ميلاديًّا، في أثناء سجن بولس الأول في روما المذكور في أعمال الرسل 28، حيث أقام سنتين كاملتين في بيت مستأجر مع عسكريّ يحرسه. وقد كُتبت في الفترة نفسها رسائل كولوسي وفيلبي وفليمون، ولذلك تُسمَّى هذه الأربع "رسائل السجن". الدليل الداخلي واضح: حَمَلَ الرسالة تيخيكس (أفسس 6:21)، وهو نفسه حامل رسالة كولوسي، والتشابه بين أفسس وكولوسي كبير في الموضوعات وفي بعض العبارات، كأن الفكرة نفسها كُتبت مرتين، مرة في صيغة شخصية لكنيسة بعينها، ومرة في صيغة واسعة للكنيسة كلها.
وهنا ملاحظة مهمة: أقدم المخطوطات اليونانية لا تحتوي على عبارة "الذين في أفسس" في الآية الأولى، بل تقول "إلى القديسين والمؤمنين في المسيح يسوع". وهذا يرجّح أن الرسالة كانت دَوريّة، أي رسالة تُقرأ في أفسس ثم تُنقل إلى كنائس وادي ليكوس وآسيا الصغرى كلها. يفسّر هذا أيضًا غياب التحيّات الشخصية، وهو أمر غريب في رسالة إلى كنيسة خدم فيها بولس ثلاث سنوات (أعمال الرسل 19 و20). أفسس ليست بريدًا خاصًّا؛ إنها دستور الكنيسة الجامعة.
وماذا تقول الرسالة في جوهرها؟ تقول إن الله كان يعمل قبل أن توجد الأرض: "كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة" (أفسس 1:4). وتقول إن هذا العمل وصل إلينا ونحن في أسوأ حال: "وأنتم إذ كنتم أمواتا بالذنوب والخطايا" (أفسس 2:1). ثم تعلن المحور الذي تدور حوله الرسالة كلها: "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله" (أفسس 2:8). والنعمة هنا ليست تخفيفًا للحكم، بل إقامة من الموت. ولذلك تأتي الآية التالية بسرعة لتمنع أي سوء فهم: "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها" (أفسس 2:10). الأعمال الصالحة ليست ثمن الجلوس في السماويات، بل هي الطريق المُعَدّ سلفًا للذين أُجلسوا هناك.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
رسالة أفسس تبدو للوهلة الأولى رسالة "سماوية" منفصلة عن تراب العهد القديم، لكنها في الحقيقة مشبعة به. حين يقول بولس "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع" (أفسس 2:10)، فهو يستعير لغة سفر تكوين: الله الذي قال "ليكن نور" هو نفسه الذي يقول للميت في خطاياه أن يحيا. الخلاص في أفسس ليس ترميمًا، إنه خلقٌ ثانٍ على مستوى الخلق الأول. ولذلك يأمر بولس في أفسس 4:24 أن "تلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق".
وعندما يعلّم عن الزواج، يقتبس تكوين 2:24 حرفيًّا: "من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسدا واحدا"، ثم يضيف جملة مذهلة: "هذا السر عظيم، ولكنني أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة" (أفسس 5:31-32). يعني أن الزواج، منذ جنة عدن، كان يحمل في داخله إشارة إلى شيء أكبر منه: عريس يبذل نفسه لعروسه. كل الأنبياء الذين تكلّموا عن الله كزوجٍ لشعبه، هوشع وإرميا وإشعياء، كانوا يرسمون الظلّ الذي ملأه المسيح.
وحين يصل بولس إلى الوصايا العملية، يقتبس الوصية الخامسة من خروج 20: "أكرم أباك وأمك" (أفسس 6:2)، ويسمّيها "أول وصية بوعد". وحين يتكلم عن الوحدة بين اليهود والأمم، يستعمل صدى إشعياء 57:19 في قوله: "وبشر بسلام لكم أنتم البعيدين والقريبين" (أفسس 2:17). وفي أفسس 4:8 يقتبس مزمور 68 عن الملك المنتصر: "إذ صعد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا"، ليقول إن المسيح الصاعد يوزّع عطايا على كنيسته كما يوزّع الفاتح غنائم نصره. وأخيرًا، سلاح الله الكامل في أفسس 6 ليس اختراعًا جديدًا: إشعياء 59:17 يصف الله نفسه بأنه "لبس البر كدرع، وخوذة الخلاص على رأسه". الدرع الذي يلبسه المؤمن هو درع إلهه.
والنقطة التي يتجمّع فيها كل هذا الخيط هي شخص المسيح. الرسالة تقول إن قصد الله كله هو "لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السماوات وما على الأرض، في ذاك" (أفسس 1:10). كل وعدٍ في العهد القديم كان نهرًا يجري نحو هذا المصبّ. وحائط الهيكل الذي كان يفصل دار الأمم عن قدس إسرائيل، سقط فعليًّا: "لأنه هو سلامنا، الذي جعل الاثنين واحدا، ونقض حائط السياج المتوسط" (أفسس 2:14). ما عجزت عنه قرون من الشريعة والرموز، أتمّه دمٌ واحد على صليب واحد.
البنية والمواضيع الرئيسية
بنية أفسس من أوضح ما في الرسائل: ثلاثة أصحاحات عن ما فعله الله، وثلاثة أصحاحات عن ما نفعله نحن. المفصل هو أفسس 4:1 بكلمة "فأطلب إليكم". كل ما قبلها خبر، وكل ما بعدها أمر. وهذا ليس ترتيبًا أدبيًّا فقط، بل هو منطق الإنجيل نفسه: الهويّة تسبق الواجب دائمًا في رسالة أفسس. لا يطلب الله منك أن تصعد إلى السماويات بسلوكك، بل يُجلسك هناك بنعمته ثم يطلب منك أن يعكس سلوكك على الأرض مكانك في السماء.
النصف الأول ينقسم إلى ثلاث موجات. تبدأ بتسبيحة طويلة في أفسس 1:3-14، جملة واحدة في اليونانية تكاد لا تتنفس، مبنيّة ثلاثيًّا: الآب الذي اختار، الابن الذي فدى بدمه، الروح الذي ختم وأعطى العربون. ثم تأتي الصلاة الأولى في أفسس 1:15-23، وفيها لا يطلب بولس للمؤمنين شيئًا ماديًّا، بل أن تستنير عيون أذهانهم ليعرفوا رجاء دعوتهم وغنى ميراثهم وعظمة القوة التي أقامت المسيح وأجلسته. ثم في الأصحاح الثاني ينزل بنا إلى المقبرة ليرفعنا منها: أموات، فأحياء، فجالسون معه. وفي الأصحاح الثالث يكشف "السرّ" الذي استُؤمن عليه، وهو "أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح يسوع بالإنجيل" (أفسس 3:6)، ويختم بالصلاة الثانية والتسبيحة الشهيرة: "والقادر أن يفعل فوق كل شيء، أكثر جدا مما نطلب أو نفتكر" (أفسس 3:20).
النصف الثاني يتتابع في دوائر تضيق تدريجيًّا. يبدأ بالكنيسة: وحدانية الروح، ومواهب الخدمة التي أعطاها المسيح الصاعد "لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمة، لبنيان جسد المسيح" (أفسس 4:12). ثم ينتقل إلى الفرد: خلع الإنسان العتيق ولبس الجديد، الصدق بدل الكذب، العمل بدل السرقة، الكلمة البانية بدل الكلمة الرديّة، وضبط الغضب قبل غروب الشمس. ثم يدخل إلى البيت: أزواج وزوجات، أولاد وآباء، سادة وعبيد. ثم يخرج أخيرًا إلى ساحة المعركة في الأصحاح السادس، حيث يتبيّن أن كل ما سبق، من الوحدة إلى المسامحة إلى الزواج، هو ميدان حربٍ روحية حقيقية.
ومن المواضيع التي تشدّ الرسالة من أولها إلى آخرها، أربعة تستحق الانتباه. الأول هو عبارة "في المسيح" ومشتقاتها، التي تتكرر أكثر من ثلاثين مرة؛ فكل بركة وكل تبنٍّ وكل فداء وكل جلوس يحدث داخل هذا المجال. الثاني هو كلمة "السماويات" التي تتكرر خمس مرات، وهي حصرًا في هذه الرسالة من العهد الجديد، ومرّتها الأخيرة مفاجئة: فهناك أيضًا "أجناد الشر الروحية في السماويات" (أفسس 6:12). الثالث هو الكنيسة، ليست كمبنى بل كجسدٍ وعروسٍ وهيكلٍ ينمو، "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية" (أفسس 2:20). والرابع هو الوحدة: "جسد واحد وروح واحد... رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل" (أفسس 4:4-6).
آيات محورية من هذا السفر
الآية الأولى التي تحمل الرسالة كلها هي أفسس 1:3: "مبارك الله وأبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح". الفعل هنا في زمن الماضي التامّ: باركنا، لا سيباركنا. البركة ليست مشروعًا مستقبليًّا معلّقًا على أدائك، بل حقيقة مُنجزة أُودعت في خزانة اسمها "المسيح". ولاحظ موقع هذه الخزانة: "في السماويات"، أي في منطقة لا يصل إليها تقلّب الأسعار ولا قرار حاكم ولا تقرير طبيب. حين كتب بولس هذه الكلمات كان أفقر إنسان قانونيًّا في روما، ومع ذلك عدّ نفسه أغنى من القيصر. هذه هي الزاوية التي تفتح أفسس: من يعرف أنه جالس هناك، يحتمل أي شيء هنا.
الآية الثانية هي أفسس 2:8-10، وهي قلب الرسالة النابض: "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله... لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها". لاحظ كيف يحرس بولس الحقيقة من جهتَيها. من جهةٍ يقطع الطريق على كل تفاخر: الخلاص عطية، ونصيبك فيه هو أن تمدّ يدًا فارغة. ومن جهة أخرى يقطع الطريق على كل تهاون: أنت "عمله"، والكلمة اليونانية هنا قريبة من معنى العمل المصنوع بإتقان، ولك طريق أعمالٍ صالحة أُعدّ لك قبل أن تُولد. النعمة لا تُلغي العمل، بل تنقله من خانة الثمن إلى خانة الثمر.
والآية الثالثة هي أفسس 6:11: "البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد إبليس". الفعل المطلوب ليس الهجوم ولا الفتح، بل الثبات. لأن المعركة محسومة أصلًا في السماويات حيث أُجلس المسيح "فوق كل رياسة وسلطان وقوة وسيادة". نحن لا نقاتل لنكسب أرضًا، بل لنحتفظ بأرضٍ كُسبت لنا. وتأمّل مَن يكتب هذه الكلمات: رجل يرى بعينيه كل يوم جنديًّا رومانيًّا بدرعه وحزامه وسيفه، وهو مربوط به بسلسلة. أخذ بولس صورة سجّانه وحوّلها إلى درسٍ في الانتصار. اثبت فقط؛ فالأرض التي تقف عليها محسومة.
المرآة
قد تكون قرأت أفسس 1:3 عشرات المرات وأنت تشعر بالعكس تمامًا. حسابك البنكيّ يقول إنك غير مبارك. غرفتك الفارغة في المساء تقول إنك منسيّ. تقرير الطبيب يقول إن جسدك يخونك. وجدولك يقول إنك مطحون. وهنا يضع بولس إصبعه على موضع الوجع: مشكلتك ليست أن البركات غير موجودة، بل أن عينيك لم تُستنر بعد لترى مكانك الحقيقي. لذلك لم يصلّ من أجل الأفسسيين أن يتغيّر ظرفهم، بل أن تستنير عيون أذهانهم.
واسأل نفسك سؤالًا أصعب: أين يظهر "الجلوس في السماويات" في بيتك فعلًا؟ أفسس لا تسمح لك بروحانية بلا عنوان. تنزل مباشرة إلى اللسان: "لا تخرج كلمة ردية من أفواهكم" (أفسس 4:29). وإلى الغضب الذي تحمله في صدرك أسبوعًا كاملًا: "لا تغرب الشمس على غيظكم" (أفسس 4:26). وإلى المال وكيف حصلت عليه: "بل بالأحرى يتعب عاملا الصالح بيديه، ليكون له أن يعطي من له احتياج" (أفسس 4:28). وإلى الزواج الذي صرت فيه تتقن الصمت البارد.
هل تلاحظ أن أصعب وصايا أفسس كلها علاقات؟ "محتملين بعضكم بعضا في المحبة" (أفسس 4:2). "متغافرين كما غفر الله أيضا لكم في المسيح" (أفسس 4:32). "أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها" (أفسس 5:25). هذه ليست نصائح لتحسين التواصل؛ هذه معركة. ولذلك جاء السلاح بعدها مباشرة. ذلك الشخص الذي قرّرت ألا تسامحه، والاجتماع الذي تركته بقلبٍ جريح، والكلمة التي ستقولها الليلة ولن تستطيع استرجاعها: هناك تُخاض الحرب الروحية الحقيقية، وليس في مكان آخر.
مشروح للأطفال
أفسس رسالة مثالية للأطفال، لأن صورها ملموسة. يمكنك أن تبدأ مع طفلك بسؤال: "لو كان عندنا كنز في بلد بعيد جدًّا ومحفوظ عند أمين لا يسرق ولا ينسى، هل نخاف عليه؟" ثم تقرأ له أن الله "باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح" (أفسس 1:3)، وتشرح أن أجمل ما أعطانا الله محفوظ عنده، وأن أول بركة هي أننا صرنا أولاده.
ثم اشرح النعمة بأبسط صورة: الهدية. "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله" (أفسس 2:8). اسأله: هل تدفع ثمن هدية عيد ميلادك؟ لا. فقط تمدّ يدك وتقول شكرًا. هكذا الخلاص. وبعد ذلك اربط الهدية بالسلوك عبر أفسس 2:10: الله عملنا نحن كما يعمل الفنّان تمثالًا جميلًا، وأعدّ لنا أعمالًا صالحة لنفعلها، مثل اللطف مع الأخت الصغيرة والصدق عند الخطأ.
ومع الأكبر سنًّا، سلاح الله الكامل في أفسس 6:11 هو الباب الأوسع: درع وخوذة وسيف وترس، لكن السلاح ليس للهجوم على أحد، بل للثبات حين تأتي الأفكار التي تقول "الله لا يحبك" أو "لا أحد يراك فافعل ما تشاء". والسيف هو كلمة الله، وهذا يجعل تعلّم الآيات مهمة بطولية وليس واجبًا مدرسيًّا.
ولأن الأطفال يفهمون بطرق مختلفة في كل مرحلة، تتوفّر على موقعنا شروحات مخصّصة لرسالة أفسس بثلاث مستويات: للصغار من ثلاث إلى ست سنوات بصور وقصص قصيرة جدًّا، ولمرحلة الابتدائي من سبع إلى اثنتي عشرة سنة مع أنشطة وأسئلة، وللمراهقين من اثنتي عشرة سنة وما فوق بمعالجة أعمق للهوية والضغط الاجتماعي والحرب الروحية.
دليل عملي لقراءة رسالة أفسس
اقرأ الرسالة أولًا من أولها إلى آخرها في جلسة واحدة. تحتاج نحو عشرين دقيقة، وهذا يقارب الوقت الذي استغرقته قراءتها بصوت عالٍ في اجتماع الكنيسة الأول. لا تتوقف عند التفاصيل، فقط لاحظ اللحظة التي تتحوّل فيها النبرة من التسبيح إلى الأمر في أفسس 4:1.
ثم خصّص ستة أيام، يومًا لكل أصحاح، مع سؤال واحد لكل يوم. في الأصحاح الأول: ماذا فعل الآب والابن والروح القدس لأجلي؟ اكتب قائمة. في الثاني: من أين أخذني الله وإلى أين أجلسني؟ قارن أفسس 2:1 بـ أفسس 2:6. في الثالث: صلِّ صلاة بولس في أفسس 3:14-21 بصوتك وباسمك واسم عائلتك. في الرابع: اختر وصية واحدة فقط، ولتكن أفسس 4:32، وطبّقها على شخص بعينه هذا الأسبوع. في الخامس: اقرأ أفسس 5:25 ثم اسأل أين أحتاج أن أبذل بدل أن أطالب، سواء كنت متزوجًا أو لا. في السادس: راجع أجزاء السلاح وسمِّ المعركة التي تخوضها فعليًّا الآن.
بعد ذلك، اقرأ أفسس مع كولوسي بالتوازي لترى الفكرة نفسها بصياغتين، ثم اقرأ أعمال الرسل 19 و20 لتعرف الكنيسة التي استقبلت الرسالة، وأخيرًا رؤيا 2:1-7 لترى ما صار إليه حال تلك الكنيسة بعد ثلاثين سنة. وإن أردت أن تحفظ ثلاث آيات فقط من الرسالة كلها، فاحفظ أفسس 1:3 و أفسس 2:8 و أفسس 6:11، فهي الجلوس والنعمة والثبات في ثلاث جُمل.
الأسئلة الشائعة
من كتب رسالة أفسس ومتى؟
كتبها الرسول بولس، كما تعلن الرسالة نفسها في أفسس 1:1 و أفسس 3:1، والأرجح أنه كتبها بين سنة 60 و62 ميلاديًّا في أثناء سجنه الأول في روما، حيث أقام سنتين في بيت مستأجر تحت حراسة عسكرية حسب أعمال الرسل 28. ومعها كتب كولوسي وفليمون وفيلبي، ولذلك تُعرف هذه الأربع برسائل السجن. وقد حملها تيخيكس كما نقرأ في أفسس 6:21، وهو نفسه الذي حمل رسالة كولوسي، ما يفسّر التشابه الكبير بين الرسالتين في الأفكار والتعبيرات.
لماذا تُسمّى رسالة أفسس "رسالة السجن"؟
لأن بولس يذكر قيوده صريحًا ثلاث مرات على الأقل: يسمّي نفسه "أسير المسيح يسوع" في أفسس 3:1، و"الأسير في الرب" في أفسس 4:1، ويطلب الصلاة لأجله قائلًا إنه "سفير في سلاسل" في أفسس 6:20. والمفارقة الجميلة أن أكثر رسالة تتكلم عن الحرية والغنى والجلوس في السماويات كُتبت من أقلّ مكان حرية. لم تكن روما تسجن بولس بقدر ما كانت توفّر له مكتبًا هادئًا ليكتب فيه أعظم تأمّلاته عن الكنيسة.
ما هو الموضوع الرئيسي لرسالة أفسس؟
الموضوع المركزي هو قصد الله الأزلي أن يجمع كل شيء في المسيح، وأن يُظهر هذا القصد في الكنيسة. تقول أفسس 1:10 إن الله يعمل "لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح، ما في السماوات وما على الأرض، في ذاك". ومن هنا تتفرّع المواضيع الأخرى: النعمة التي تخلق شعبًا من أموات، ووحدة اليهود والأمم في جسد واحد، والسلوك الجديد الذي يناسب هذه الهوية الجديدة، والحرب الروحية التي ترافق كل ذلك.
ما معنى "باركنا بكل بركة روحية في السماويات"؟
تعني أن كل ما يحتاجه المؤمن روحيًّا قد أُعطي له فعلًا، لا على شكل وعد مستقبلي بل كحقيقة مُنجزة محفوظة في المسيح. الفعل في أفسس 1:3 ماضٍ: "باركنا". و"السماويات" تشير إلى مجال واقع الله غير المنظور، حيث أُقيم المسيح وأُجلس عن يمين الله حسب أفسس 1:20. فمعنى العبارة أن غنى المؤمن ليس معلقًا على ظروفه الأرضية، لأن مصدره ومخزنه خارج متناول كل قوة أرضية تستطيع أن تسلبه.
ما الفرق بين النعمة والأعمال في رسالة أفسس 2؟
تضع أفسس 2:8 النعمة في موضع السبب وحده: "لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم. هو عطية الله". ثم تضع أفسس 2:10 الأعمال في موضع النتيجة: "لأننا نحن عمله، مخلوقين في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها". فالترتيب حاسم: نحن لا نعمل لننال الخلاص، بل نُخلَق خلقًا جديدًا فنعمل. الأعمال الصالحة ليست سببًا للنجاة ولا إضافةً اختيارية، بل هي الطريق الذي أعدّه الله مقدّمًا لأولاده أن يسلكوا فيه.
هل كُتبت رسالة أفسس لكنيسة أفسس فقط؟
تحمل الرسالة اسم أفسس في معظم المخطوطات، لكن أقدم النسخ اليونانية تخلو من عبارة "الذين في أفسس" في الآية الأولى. ويلفت النظر أيضًا غياب أي تحيّات شخصية، وهو أمر غريب في رسالة إلى كنيسة خدم فيها بولس نحو ثلاث سنوات. لذلك يرى كثيرون أنها كانت رسالة دَوريّة تُقرأ في أفسس ثم تنتقل إلى كنائس آسيا الصغرى. وهذا لا يقلّل من قيمتها، بل يزيدها: إنها تعليم عامّ للكنيسة في كل مكان وزمان، لا معالجة لمشكلة محلية.
ما هو "السر" الذي يتكلم عنه بولس في أفسس 3؟
ليس السرّ شيئًا غامضًا، بل حقيقة كانت مخفيّة ثم أُعلنت. يشرحها بولس بنفسه في أفسس 3:6: "أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال موعده في المسيح يسوع بالإنجيل". أي أن الأمم لا ينالون مكانًا هامشيًّا إلى جانب إسرائيل، بل يصيرون أعضاء كاملين في الجسد نفسه. هذا ما جعل بولس سجينًا، لأن إسقاط حائط الفصل بين اليهود والأمم، المذكور في أفسس 2:14، كان في نظر كثيرين خطرًا يستحق السجن.
ما هي أجزاء سلاح الله الكامل في أفسس 6؟
يذكر بولس الحقّ كمنطقة يُشدّ بها الحقو، والبرّ كدرع للصدر، واستعداد إنجيل السلام كحذاء، والإيمان كترس يطفئ سهام الشر الملتهبة، والخلاص كخوذة، وكلمة الله كسيف الروح، ثم يضيف الصلاة بكل وقت في الروح. وجوهر الفكرة أن الأمر في أفسس 6:11 هو "لكي تقدروا أن تثبتوا"، أي أن المعركة دفاعية في طبيعتها، لأن النصر أُحرز في قيامة المسيح وجلوسه، ودورنا أن نحتفظ بما كُسب لنا لا أن نكسبه.
ما علاقة رسالة أفسس برسالة كولوسي؟
كُتبت الرسالتان في الفترة نفسها وحملهما الشخص نفسه، تيخيكس، وتشترك بينهما نحو نصف المحتوى في الأفكار الأساسية: سيادة المسيح، وخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد، ونظام العلاقات في البيت. الفرق في الزاوية: كولوسي تعالج انحرافًا محدّدًا يقلّل من مكانة المسيح، فتركّز على رأسية المسيح وكفايته، أما أفسس فتتأمّل بهدوء في الكنيسة كجسد المسيح وثمرة قصد الله الأزلي. كأن الفكرة الواحدة كُتبت مرة للدفاع ومرة للتسبيح.
هل أفسس 5:25 تعني أن سلطة الرجل مطلقة في البيت؟
العكس تمامًا. يضع بولس المقطع كله تحت مبدأ عامّ في أفسس 5:21: "خاضعين بعضكم لبعض في خوف الله". ثم يحدّد مقياس محبة الرجل في أفسس 5:25: "أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها". والمقياس هو الصليب، أي البذل حتى الموت، لا الأمر والتحكّم. فالرجل في هذا النصّ لا يُعطى حقًّا يطالب به، بل يُدعى إلى مسؤولية تكلّفه نفسه. وكل قراءة تستخدم الآية لتبرير القسوة تنقض معناها من أساسه.
لماذا يقول بولس "لا تغرب الشمس على غيظكم"؟
لأن الغضب المكبوت يتحوّل بسرعة إلى مرارة، والمرارة تفتح بابًا للعدو. يقول أفسس 4:26: "اغضبوا ولا تخطئوا. لا تغرب الشمس على غيظكم"، ويكمل في الآية التالية: "ولا تعطوا إبليس مكانا". فالنصّ لا يحرّم الانفعال نفسه، بل يحدّد له مدةً قصوى: يوم واحد. والعلاج يأتي بعد قليل في أفسس 4:32 بالمسامحة التي تستمدّ قوتها من مسامحة الله لنا في المسيح، لا من قدرتنا على النسيان أو من اعتذار الطرف الآخر.
هل ما زالت كنيسة أفسس موجودة اليوم؟
المدينة نفسها خرائب أثرية في غرب تركيا قرب سلجوق، وقد تراجعت أهميتها حين تَطَمّى مرفأها. أما الكنيسة فقد كانت من أهمّ مراكز المسيحية في القرون الأولى، وفيها خدم تيموثاوس بحسب تيموثاوس الأولى 1:3، وبحسب التقليد عاش فيها الرسول يوحنا. والأهمّ روحيًّا أن المسيح نفسه يخاطبها في رؤيا 2، فيمدح أعمالها ثم يقول لها: "لكن عندي عليك أنك تركت محبتك الأولى". تحذير يُقرأ إلى جانب أفسس كلها: العقيدة الصحيحة لا تكفي بلا محبة حيّة.
في الختام
رسالة أفسس تُقرأ أفضل ما تُقرأ وأنت منتبه إلى الثلاثي الذي يحملها: أن تجلس، فتسلك، فتثبت. تبدأ بأن تسمع ما فعله الله قبل أن تُولد، وأن تقبل أنك "بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم" (أفسس 2:8). ثم تنهض لتسلك في الطريق الذي "سبق الله فأعده" (أفسس 2:10): لسان يبني، وغضب لا يبيت، وقلب يغفر كما غُفر له، وبيت فيه بذل لا مطالبة. ثم، حين تهبّ العاصفة، تلبس سلاح الله الكامل وتثبت، لا لتفتح أرضًا جديدة، بل لتقف في أرضٍ انتُصر فيها بالفعل.
والشيء الذي لا ينبغي أن ننساه هو مَن كتب هذا كله: رجل مقيّد بسلسلة إلى جندي، لم يكن يعرف إن كان سيخرج حرًّا أم لا، ومع ذلك افتتح رسالته بكلمة "مبارك". إن استطعتَ أن تقول هذه الكلمة من داخل قيدك أنت، سواء كان مرضًا أو وحدةً أو عملًا يستهلكك، فقد فهمت أفسس من الداخل. اقرأها الآن أصحاحًا كل يوم لمدة أسبوع، وصلِّ صلاتي بولس في الأصحاحين الأول والثالث بصوتك، ودع عيني ذهنك تستنيران.
