رسالة رومية
مقدمة
تخيّل امرأة تُدعى فيبي، خادمة كنيسة صغيرة في ميناء كنخريا قرب كورنثوس، تحمل في حقيبتها لفافة من الرقّ. تصعد سفينة شحن تعبر البحر نحو العاصمة، وفي حقيبتها أخطر وثيقة لاهوتية كُتبت في القرن الأول. لم تكن تعرف أن هذه اللفافة ستُشعل قلب أوغسطينوس في حديقة بميلانو، وستحرّر راهبًا ألمانيًا اسمه مارتن لوثر من عذاب ضميره، وستدفئ قلب جون ويسلي في اجتماع صغير بشارع ألدرسغيت. كانت مجرد رسالة، كُتبت لجماعة مؤمنين منقسمين في مدينة وثنية، من رجل يخطط لرحلة تبشيرية إلى إسبانيا ويحتاج شركاء.
في هذه الصفحة ستكتشف من كتب رسالة رومية ومتى ولماذا، وكيف بُنيت من أولها إلى آخرها، وما هي آياتها المحورية، وكيف تقرأها بنفسك دون أن تضيع في أصحاحاتها الستة عشر.
زاوية هذا الدليل
معظم ما يُكتب عن رومية يعاملها كأنها كتاب لاهوت منهجي سقط من السماء. لكنها في الأصل رسالة سفر: كتبها مرسَلٌ في طريقه إلى الغرب، إلى كنيسة يهودية وأممية ممزّقة بعد عودة المطرودين إلى العاصمة. سنقرأها من هذه الزاوية: التبرير بالإيمان في الأصحاحات الأولى ليس نظرية مجرّدة، بل الأساس الذي تقوم عليه مائدة واحدة في الأصحاح الرابع عشر. عقيدة النعمة عند بولس تنتهي دائمًا إلى جسد واحد، وقبولٍ متبادل، وأجساد مقدَّمة ذبيحة حية. من يفصل الأصحاحات الثمانية الأولى عن الخمسة الأخيرة يكون قد قرأ نصف الرسالة.
ماذا يقول الكتاب المقدس عن رسالة رومية؟
تبدأ الرسالة بتعريف واضح: "بولس، عبد ليسوع المسيح، المدعو رسولا، المفرز لإنجيل الله" (رومية 1:1). لم يشكّ أحد في العصور الأولى في أن بولس هو الكاتب، لكنه لم يكتبها بيده؛ في نهاية الرسالة يقتحم النص صوتٌ آخر: "أنا ترتيوس كاتب هذه الرسالة أسلم عليكم في الرب" (رومية 16:22). فقد أملاها بولس على كاتبٍ محترف، على الأرجح في كورنثوس، في بيت رجل اسمه غايس (رومية 16:23)، في نحو سنة 56 أو 57 ميلادية، قرب نهاية رحلته التبشيرية الثالثة.
الظروف مهمة لفهم كل سطر. بولس لم يزر رومية قط، ولم يؤسس كنيستها. كان مبدأه أن يبشّر حيث لم يُسمّ المسيح "لئلا أبني على أساس لآخر" (رومية 15:20)، فلماذا يكتب إذًا رسالة بهذا الطول إلى كنيسة ليست ثمرة خدمته؟ يكشف هو نفسه عن السبب: "فعندما أذهب إلى اسبانيا آتي إليكم" (رومية 15:24). رومية هي رسالة تعريف بالإنجيل الذي يكرز به، مكتوبة إلى شركاء محتملين في مشروع تبشيري نحو أقصى الغرب. أضف إلى ذلك خلفية سياسية: في سنة 49 ميلادية طرد الإمبراطور كلوديوس اليهود من العاصمة، ومنهم أكيلا وبريسكلا كما يذكر سفر أعمال الرسل 18:2. بقيت الكنيسة سنوات بأغلبية أممية، ثم مات كلوديوس سنة 54 وعاد المؤمنون اليهود ليجدوا كنيسة تغيّرت عاداتها وتقاليدها. من هنا التوتر حول الأطعمة والأيام في الأصحاحين الرابع عشر والخامس عشر، ومن هنا إصرار بولس المتكرر على عبارة "لليهودي أولا ثم لليوناني".
يضع بولس موضوع الرسالة كلها في جملة واحدة: "لأني لست أستحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولا ثم لليوناني" (رومية 1:16). الكلمة المفتاحية هنا ليست "الإنجيل" وحده، بل "قوة الله". البشارة ليست نصيحة دينية ولا فلسفة، بل ديناميت إلهي يفعل شيئًا في من يسمع. ولاحظ أن هذه الآية نفسها تحمل بذرة وحدة الكنيسة: خلاصٌ واحد لكل من يؤمن، بلا استثناء وبلا طبقتين.
الإنجيل ليس دَرسًا يُحفظ، بل قوةً تُنقذ.
ثم يهدم بولس كل أساس بشري للفخر. يبدأ بالأمم الوثنيين في الأصحاح الأول، ثم يلتفت في الأصحاح الثاني إلى اليهودي المتديّن، ويصل إلى الخلاصة المدوّية: "إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رومية 3:23). كلمة "أعوزهم" تعني النقص والافتقار؛ ليست المشكلة أننا كسرنا قاعدة، بل أننا فقدنا المجد الذي خُلقنا لأجله. وأمام هذا الإفلاس العام يأتي البديل الإلهي: "متبررين مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رومية 3:24).
وحين يصل إلى قلب الرسالة يقول جملة لا مثيل لها في الأدب الديني كله: "ولكن الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا" (رومية 5:8). لم ينتظر الله أن نتحسّن. البرهان على محبته ليس شعورًا داخليًا ولا ظرفًا مريحًا، بل حدثًا تاريخيًا وقع خارجنا وقبل أن نطلبه.
الخيط الممتد في الكتاب المقدس
رومية ليست ابتكارًا جديدًا؛ إنها قراءة العهد القديم كله في ضوء القيامة. يصرّح بولس منذ الآيات الأولى أن هذا الإنجيل "سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة" (رومية 1:2)، ثم يقتبس أكثر من خمسين مرة من الشريعة والأنبياء والمزامير.
الآية التي يبني عليها كل شيء مأخوذة من حبقوق النبي: "أما البار فبالإيمان يحيا" (رومية 1:17). كلمة قيلت أصلًا لشعب صغير يرى الكلدانيين يزحفون نحوه، صارت عند بولس مفتاح الخلاص كله. وحين يريد أن يثبت أن التبرير بالإيمان ليس بدعة، يعود إلى أقدم شخصية في تاريخ الإيمان، إلى إبراهيم قبل الختان وقبل الشريعة بأربعة قرون: "فآمن أبرام بالرب فحسبه له برا" (تكوين 15:6، مقتبسة في رومية 4:3). ثم يستدعي داود في الأصحاح الرابع ليقول إن الغفران المجاني كان دائمًا طريق الله: "طوبى للذين غفرت آثامهم وسترت خطاياهم" (المزامير 32:1).
في الأصحاح الخامس يعود بولس إلى الوراء أكثر، إلى سفر التكوين وآدم. البشرية كلها موصولة برأسين: آدم الذي جلب الخطية والموت، والمسيح الذي جلب البر والحياة. هنا يظهر منطق الكتاب المقدس كله في صفحة واحدة: قصة سقوط، ثم قصة فداء أكبر من السقوط، لأن "حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدا" (رومية 5:20).
وفي الأصحاحات التاسع والعاشر والحادي عشر يواجه بولس السؤال الأصعب: إن كان الله قد وعد إسرائيل، فماذا يعني رفض أكثرهم للمسيح؟ هل سقطت كلمة الله؟ جوابه يمتد ثلاثة أصحاحات مشبعة بإشعياء وهوشع وتثنية وملوك، وينتهي بأن الله لم يرفض شعبه، وأن الأمم أغصان زيتونة برية طُعّمت في أصل قديم لا في شجرة جديدة. المسيحية ليست ديانة بلا جذور؛ هي الثمرة التي طال انتظارها.
وكل هذا الخيط يشدّه بولس إلى نقطة واحدة: يسوع المسيح، "المولود من نسل داود من جهة الجسد، والمعيّن ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات" (رومية 1:3-4). الناموس كشف الداء، والذبائح أشارت إلى الحل دون أن تكمله، والأنبياء وعدوا بقلب جديد وروح جديد. في رومية يقول بولس: كل ذلك صار جسدًا ودمًا ودمًا مسفوكًا. لهذا تحتل رومية موقعها في القانون الكتابي كأول رسائل بولس ترتيبًا، جسرًا بين سفر أعمال الرسل وباقي الرسائل، تشرح لاهوتيًا ما رواه لوقا تاريخيًا.
البنية والمواضيع الرئيسية
تُقرأ رومية بأربع حركات كبرى، تمامًا كسمفونية تبدأ بنغمة قاتمة وتنتهي بتمجيد.
الحركة الأولى (1:1 إلى 3:20) هي التشخيص. بعد مقدمة تعريفية وإعلان الموضوع في الآيتين السادسة عشرة والسابعة عشرة، ينتقل بولس إلى غضب الله المعلن من السماء على كل إثم. يصف انحدار البشرية الوثنية: عرفوا الله ولم يمجّدوه كإله، فاستبدلوا مجد الله بصور، فأسلمهم الله إلى شهوات قلوبهم. ثم ينقلب فجأة على القارئ المتديّن في الأصحاح الثاني: "لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين". من ينتقد الآخرين يدين نفسه. تُختم الحركة بسلسلة اقتباسات من المزامير: "ليس بار ولا واحد". المحكمة انتهت، والجميع مذنبون، والأفواه سُدّت.
الحركة الثانية (3:21 إلى 8:39) هي العلاج، وهي قلب الرسالة النابض. "وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس" (رومية 3:21). يشرح بولس التبرير بالإيمان، ويبرهن عليه من إبراهيم وداود، ثم يعلن ثماره: "فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح" (رومية 5:1). في الأصحاح السادس يجيب على الاعتراض المتوقع: أفنبقى في الخطية لكي تكثر النعمة؟ حاشا. المعمودية تعني أننا متنا مع المسيح وقمنا معه، فكيف نعيش بعدُ فيها؟ في الأصحاح السابع يصف الصراع المرير مع الجسد والناموس حتى يصرخ: "ويحي أنا الإنسان الشقي. من ينقذني من جسد هذا الموت". ثم يأتي الأصحاح الثامن كقمة الرسالة كلها: لا دينونة، بل روح تبنٍّ نصرخ به "يا أبا الآب"، وخليقة تئنّ منتظرة، ومحبة لا يقدر شيء أن يفصلنا عنها.
الحركة الثالثة (9 إلى 11) هي الأمانة. سؤال إسرائيل ليس استطرادًا جانبيًا كما ظن كثيرون، بل ضرورة: إن لم يكن الله أمينًا لوعوده القديمة، فما ضمان وعوده الجديدة لنا؟ ينتهي البحث لا بجدول منطقي بل بسجود: "يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه" (رومية 11:33).
الحركة الرابعة (12:1 إلى 16:27) هي التطبيق، وهنا تظهر زاوية هذه الرسالة بأوضح صورة. تبدأ بكلمة "فأطلب إليكم"، أي: بناءً على كل ما سبق. جسد مقدَّم ذبيحة حية، ذهن متجدد، مواهب مستخدمة، محبة بلا رياء، خضوع للسلاطين، دَين المحبة، ثم أصحاحان كاملان عن الأقوياء والضعفاء في الإيمان، عن الأكل والأيام والاحتكام إلى ضمير الآخر. كل ذلك اللاهوت العظيم يصبّ في جملة عملية: "لذلك اقبلوا بعضكم بعضا كما أن المسيح أيضا قبلنا لمجد الله" (رومية 15:7). ثم تُختم الرسالة بخطط السفر إلى أورشليم وإسبانيا، وبقائمة تحيات تضم ستة وعشرين اسمًا، بينهم نساء ورجال، عبيد ومعتوقون، يهود وأمم، صورة حية للمائدة الواحدة التي دافع عنها الأصحاح الرابع عشر.
آيات محورية من هذا السفر
"لأن أجرة الخطية هي موت وأما هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا" (رومية 6:23). لاحظ الفرق الدقيق بين الكلمتين: "أجرة" و"هبة". الأجرة شيء نستحقه ونطالب به في نهاية الشهر؛ الموت هو ما كسبناه بعرق أيدينا. أما الحياة الأبدية فليست أجرة أفضل ولا مكافأة على أداء جيد، بل عطية توضع في يد فارغة. هذه الآية تلخص الرسالة كلها في سطر، ولهذا صارت أشهر آية يُقاد بها الناس إلى المسيح. وهي تقف في سياق الأصحاح السادس، أي في سياق القداسة لا في سياق التبرير فقط: العطية تشمل حياة جديدة، لا صكّ غفران فقط.
"ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معا للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده" (رومية 8:28). أُسيء استعمال هذه الآية كثيرًا كأنها تعويذة تُقال في الجنازات لتسكيت الحزن. لكن بولس يكتبها بعد ثلاث آيات عن الأنين: أنين الخليقة، وأنين المؤمنين، وأنين الروح القدس نفسه بأنّات لا يُنطق بها. هو لا يقول إن كل الأشياء حسنة، بل إنها "تعمل معا"، أي إن يد الله تنسج الخيوط السوداء والذهبية في نسيج واحد. والآية التالية تحدد ما هو هذا "الخير": أن نتشكّل على صورة ابنه. الخير الموعود ليس الراحة، بل الشبه بالمسيح.
"لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رومية 10:9). هنا الباب المفتوح. قلبٌ يؤمن بالقيامة، وفمٌ يعترف بربوبية يسوع. في إمبراطورية كان يُقال فيها "قيصر رب"، لم يكن هذا الاعتراف كلمة سهلة. وفي سياق الأصحاح العاشر، الآية موجّهة تحديدًا ضد فكرة أن الخلاص حكر على فئة: "لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني، لأن ربا واحدا للجميع، غنيا لجميع الذين يدعون به".
المرآة
الآن ضع الرسالة جانبًا للحظة، ودعها تنظر إليك.
أنت تعرف تمامًا الجملة التي تدور في رأسك حين تخطئ للمرة الألف في الشيء نفسه: "الله سئم مني". رومية تقول لك إنه بيّن محبته لك قبل أن تتحسّن بلحظة واحدة، وأنه "لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين". السؤال الحقيقي ليس هل يقبلك الله، بل هل تصدّق أنه فعل.
وأنت الذي يقيس قيمته بإنتاجيته، بعدد الساعات التي تعملها وبنظرة مديرك، اسمع الأصحاح الرابع: "أما الذي لا يعمل ولكن يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له برا". حياتك ليست ملفًا مفتوحًا للتقييم. الحكم صدر، والاسم بُرّئ، والباقي شكر لا كدح.
لكن رومية لا تدلّلك فقط، بل تكشطك أيضًا. الأصحاح الرابع عشر يجلسك إلى مائدة مع الأخ الذي يزعجك: الذي يصلي بطريقة أخرى، الذي يرى في أمور رمادية خطيةً بينما لا ترى أنت، أو العكس. بولس لا يسألك من على حق في التفاصيل، بل يسألك: هل تحتقره؟ هل تدينه؟ "لأن الله قبله". إن كان الله قد قبله، فمن أنت لتضع شرطًا إضافيًا على مائدته؟
وأنت التي تشعر أن جسدك المتعب، وأمومتك المرهقة، ووظيفتك العادية، كلها بعيدة عن "الخدمة"، انظر إلى الأصحاح الثاني عشر: العبادة الحقيقية هي جسد مقدَّم ذبيحة حية. لا معبد آخر ولا يوم آخر. مطبخك مذبح، ولوحة مفاتيحك مذبح، وسريرك في الليل مذبح.
الرحمة أولًا، ثم الطاعة، لا العكس أبدًا.
مشروح للأطفال
الأطفال يستوعبون رومية أسرع مما نظن، بشرط ألا نبدأ بكلمة "التبرير". ابدأ بقصة: ولد كسر شيئًا ثمينًا في بيت جاره، ولا يملك ما يدفعه. ثم جاء شخص ودفع الثمن كله عنه، ليس لأن الولد صار جيدًا، بل لأنه أحبه. هذه هي رومية باختصار. ثم اشرح أن بولس كتب هذه الرسالة الطويلة ليقول لكنيسة كانت تتشاجر: توقفوا، فالله قبِل كلًا منكم بالطريقة نفسها، مجانًا، فاقبلوا بعضكم بعضًا.
الآيات المناسبة للحفظ في هذا السفر كثيرة وبسيطة: رومية 3:23 يعلّم الطفل أن الجميع، حتى الكبار، يحتاجون إلى الغفران؛ ورومية 5:8 يعلّمه أن محبة الله لا تنتظر أن نستحقها؛ ورومية 8:28 يعطيه رجاءً حين تتعثر الأمور في المدرسة أو في البيت.
وننصح بأن يُشرح السفر بحسب العمر، لأن ما يفهمه ابن الأربع سنوات يختلف عمّا يحتاجه المراهق الذي بدأ يسأل عن العدل والاختيار الإلهي. تتوفر لدينا شروحات مخصصة لثلاث مراحل: لأطفال ما قبل المدرسة من ثلاث إلى ست سنوات بلغة القصة والصورة، وللمرحلة الابتدائية من سبع إلى اثنتي عشرة سنة بأنشطة وأسئلة، وللمراهقين من اثنتي عشرة سنة فما فوق بمناقشة أعمق تلامس أسئلتهم الحقيقية عن الهوية والذنب والحرية.
الأسئلة الشائعة
من كتب رسالة رومية ومتى كُتبت؟
كتبها الرسول بولس، وهو ما تشهد به الرسالة نفسها في مطلعها وتؤكده الكنيسة منذ القرن الأول دون خلاف يُذكر. أملاها على كاتب اسمه ترتيوس الذي يوجّه تحيته الشخصية في رومية 16:22، على الأرجح من مدينة كورنثوس في نهاية الرحلة التبشيرية الثالثة، في نحو سنة 56 أو 57 ميلادية. الدليل الزمني يأتي من ذكره أنه في طريقه إلى أورشليم حاملًا الإعانة المجموعة من مكدونية وأخائية، وهي الرحلة التي انتهت باعتقاله كما يروي سفر أعمال الرسل.
لماذا كتب بولس رسالة رومية أصلًا؟
لثلاثة أسباب متشابكة. أولًا، كان يخطط لرحلة تبشيرية إلى إسبانيا ويريد أن تكون كنيسة رومية قاعدة دعم له، فقدّم لها بيانًا كاملًا للإنجيل الذي يكرز به. ثانيًا، كانت الكنيسة تعاني توترًا بين مؤمنين من أصل يهودي عادوا بعد طردهم زمن كلوديوس، وأغلبية أممية تشكّلت في غيابهم، فأراد أن يضع أساسًا لاهوتيًا للوحدة. ثالثًا، كان يطلب صلواتهم من أجل خدمته المحفوفة بالخطر في أورشليم.
ما هو الموضوع الرئيسي لرسالة رومية؟
بر الله المعلن في الإنجيل والمُعطى مجانًا لكل من يؤمن. تلخّصه الآيتان رومية 1:16 و1:17: الإنجيل قوة الله للخلاص لكل من يؤمن، لأن فيه معلَن بر الله بإيمان لإيمان. لكن هذا الموضوع لا يبقى مجردًا؛ فبولس يقوده خطوة خطوة إلى نتيجته العملية، وهي شعب واحد من اليهود والأمم يعبد الله بفم واحد، ويقبل بعضه بعضًا كما قبله المسيح.
ما معنى التبرير بالإيمان في رومية؟
التبرير مصطلح مأخوذ من قاعة المحكمة، ويعني أن يُعلن القاضي براءة المتهم وبرّه. الصدمة في رومية أن الله "يبرر الفاجر"، أي يعلن بارًّا من هو مذنب فعلًا، لا لأنه يتغاضى عن العدل، بل لأن المسيح حمل الدينونة في جسده. لذلك يقول بولس إن التبرير يتم "مجانا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رومية 3:24). الإيمان ليس عملًا نستحق به شيئًا، بل اليد الفارغة التي تقبل العطية.
هل تعني رومية أن الأعمال لا أهمية لها؟
على الإطلاق. بولس ينفي أن تكون الأعمال أساسًا للقبول عند الله، لكنه يصرّ على أنها ثمرة حتمية لذلك القبول. يخصص الأصحاح السادس كله لدحض فكرة أن نبقى في الخطية لكي تكثر النعمة، ويقول عنها "حاشا". ثم يكرّس خمسة أصحاحات كاملة من الثاني عشر إلى السادس عشر لسلوك عملي ملموس: محبة بلا رياء، ضيافة، بركة للمضطهدين، صدق في العمل، وقبول للضعيف في الإيمان. النعمة تُعفينا من الاستحقاق، لا من الطاعة.
ما معنى "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله"؟
الشطر الأول يعني أن كل إنسان، متدينًا كان أو لا، أخطأ الهدف الذي خُلق لأجله. أما الشطر الثاني فأعمق: كلمة "أعوزهم" تشير إلى نقص وافتقار مستمر. الإنسان خُلق ليعكس مجد الله، فصار فارغًا من هذا المجد. المشكلة ليست فقط أفعالًا سيئة تحتاج إلى مسح، بل مجدًا مفقودًا يحتاج إلى استرداد. ولهذا يتكلم الأصحاح الثامن عن التمجيد كنهاية الطريق: من برّرهم مجّدهم أيضًا.
كيف أفهم الأصحاحات التاسع والعاشر والحادي عشر عن الاختيار؟
اقرأها أولًا كوحدة واحدة لا كآيات مبعثرة، وانتبه إلى أن سؤال بولس ليس "من يذهب إلى الجنة" بل "هل الله أمين لوعوده لإسرائيل". يؤكد سيادة الله المطلقة في الاختيار في الأصحاح التاسع، ومسؤولية الإنسان في الدعوة والإيمان في الأصحاح العاشر، ورجاء رحمة شاملة في الأصحاح الحادي عشر. لا يحلّ بولس التوتر بمعادلة منطقية، بل ينتهي بالسجود أمام عمق حكمة الله وعدم إمكانية استقصاء طرقه.
هل الأصحاح السابع يصف مؤمنًا أم غير مؤمن؟
انقسم المفسرون في هذا منذ قرون. يرى فريق أن بولس يصف الإنسان تحت الناموس قبل الإيمان، مستدلًا بعبارة "مبيع تحت الخطية". ويرى فريق آخر أنه يصف اختبار المؤمن الحقيقي في صراعه اليومي، مستدلًا بقوله "إني أُسرّ بناموس الله بحسب الإنسان الباطن". العملي في الأمر أن الصراخ "من ينقذني من جسد هذا الموت" يجد جوابه فورًا في المسيح، وأن الأصحاح الثامن يفتح بلا دينونة، لا بلا صراع.
ما علاقة رسالة رومية بالإصلاح البروتستانتي؟
كانت رومية الشرارة. مارتن لوثر، وهو أستاذ للكتاب المقدس يعذّبه ضميره، توقف طويلًا عند عبارة "بر الله" في رومية 1:17، وكان يفهمها كبرٍّ يدين الخطاة. حين أدرك أنها تعني البر الذي يهبه الله للمؤمن بالمسيح، شعر كأنه وُلد من جديد ودخل الفردوس. ومن هذه الآية وُلد شعار "بالإيمان وحده". وقبله بألف ومئة سنة، اهتدى أوغسطينوس عند قراءة رومية 13:13-14 في حديقة بميلانو.
كم أصحاحًا في رسالة رومية وكيف أقرأها للمرة الأولى؟
تتكوّن رومية من ستة عشر أصحاحًا. للقراءة الأولى، اقرأها كلها في جلسة واحدة أو جلستين كما لو كانت رسالة وصلتك بالبريد، دون توقف عند التفاصيل، لتلتقط الحركة العامة. ثم عد إليها أصحاحًا كل يوم لمدة ستة عشر يومًا، مع كتابة جملة واحدة تلخص كل أصحاح. المفتاح هو ملاحظة كلمات الوصل مثل "لذلك" و"إذًا" و"فماذا نقول"، لأنها تكشف منطق بولس وتربط الأجزاء ببعضها.
لماذا يخصص بولس أصحاحًا كاملًا للتحيات في الأصحاح السادس عشر؟
لأن اللاهوت عنده ينتهي دائمًا بأسماء وأشخاص. يذكر ستة وعشرين اسمًا، بينهم نساء كثيرات مثل فيبي التي حملت الرسالة، وبريسكلا، ومريم، ويونياس. القائمة تضم أسماء عبيد وأسماء عائلات نبيلة، يهودًا وأممًا، وهذا في حد ذاته برهان عملي على الرسالة كلها: الإنجيل صنع من هؤلاء المختلفين عائلة واحدة. من يتخطى هذا الأصحاح يفوته أجمل توقيع على وثيقة النعمة.
ما هي أشهر آيات رسالة رومية؟
من أكثرها اقتباسًا رومية 1:16 عن الإنجيل قوةً لله للخلاص، ورومية 3:23 عن خطية الجميع، ورومية 5:8 عن محبة الله المعلَنة في موت المسيح لأجلنا ونحن بعد خطاة، ورومية 6:23 عن أجرة الخطية وهبة الله، ورومية 8:28 عن كل الأشياء التي تعمل معًا للخير، ورومية 10:9 عن الاعتراف بالفم والإيمان بالقلب، ورومية 12:1 عن تقديم الأجساد ذبيحة حية. هذه الآيات مجتمعة ترسم خريطة الرسالة من التشخيص إلى العلاج إلى الحياة الجديدة.
في الختام
من السهل أن نتعامل مع رومية كمنجم عقائد، فنستخرج منها آيات للجدال ونترك الرسالة نفسها ملقاة على الأرض. لكنها في جوهرها وثيقة سفر وشراكة: رجل يستعد لعبور البحر إلى إسبانيا، يكتب لكنيسة منقسمة ليقول لها إن الإنجيل الذي بررها هو نفسه الإنجيل الذي يجب أن يوحّدها. لهذا لا تنتهي الرسالة بالأصحاح الثامن ومجده، بل بمائدة يجلس إليها الضعيف والقوي معًا، وبقائمة أسماء لأناس عاديين صاروا عائلة.
مائدة واحدة، لأن هناك نعمة واحدة.
ابدأ اليوم بقراءة الأصحاح الأول والآيتين السادسة عشرة والسابعة عشرة على مهل، ثم امض في الرسالة كلها خلال أسبوعين. ولا تنسَ أن تسأل عند كل أصحاح سؤالين: ماذا يقول هذا عن الله؟ ومن هو الشخص الذي يصعب عليّ قبوله، والذي قبله المسيح؟ حين يلتقي الجوابان في قلبك، تكون رومية قد فعلت فيك ما كتبها بولس لأجله.
